الأثر الاجتماعي والسياسي للأزمة الاقتصادية في السعودية

مقدمة

إن أسلوب الإنتاج وعلاقاته هو المحدد الرئيسي للمجتمع السعودي، في دولة ريعية، يقوم فيه الملك أو الحكومة بإنفاق رأس بالشكل والأسلوب الذي يناسبهم.

أخذ الإنفاق في بدايات الدولة شكل الأعطيات والمنح من أجل توطيد الحكم ثم تحوّل إلى مشاريع بناء استثمارية تُمنح حقوق تنفيذها لطبقة مقربة من السلطة، وفي مرحلة لاحقة أخذت الأعطيات شكلاً أفقياً واسعاً من خلال التوظيف العام واسع النطاق، والعقود الحكومية الكبيرة للشركات الصغيرة والمتوسطة.

سعت الحكومة من خلال هذه السياسات للسيطرة على المجتمع، وخاصة الطبقة الوسطى فيه، والتي ظلت رهينة ومرتبطة بالدولة كونها من ينفق عليها، مما يعني تبعية كاملة.

تعيش السعودية مرحلة انتقالية ونقاط تحول غير مسبوقة ربما منذ تأسيسها، حيث انقلب العهد الجديد على العقد الاجتماعي الذي قامت عليه المملكة، أي التحالف بين آل سعود والسلطة الدينية.

سعى الانقلاب الذي أسس له ابن سلمان إلى استبدال الشرعية الدينية بالهوية الوطنية السعودية، القائمة على “قيم الوسطية والاعتدال، وبأسلوب عصري يعزز روح العطاء” كما تقوم “رؤية 2030.

نستطيع النظر إلى تاريخ تشكل المجتمع السعودي بالاعتماد على ثلاثة متغيرات رئيسية هي القبيلة والإيدلوجيا والنفط.

إن التمازج الحاصل بين هذه المرتكزات في إطار تكوين المجتمع السعودي -منذ تأسيس السعودية ثلاثينات القرن الماضي- أفضى إلى حكم آل سعود بالاعتماد على النفط كمورد رئيسي لبناء الدولة بهوية دينية.

التغير المنشود في “رؤية 2030” يستهدف هذه الركائز الثلاث التي قام عليها المجتمع السعودي، فهي تسعى إلى تقليل الاعتماد على النفط، وتغير توجه الدولة السلفي نحو ما يطلق عليه “الوسطية والاعتدال” والانصهار في إطار مجتمع “وطني سعودي” له هويته الخاصة، واستبدال دور العائلة المالكة بدور القائد الفرد.

من هنا فإن التغيير ذو طابع جذري، إذ أنه يستهدف الأسس والمكونات الرئيسية، ولابد أن تكون له آثار عميقة على الدولة والمجتمع، ولكن هذه الآثار يمكن أن تتفاوت في مستوى حضورها تبعاً لعوامل أخرى.

ما يقوم به ابن سلمان عبر مشروع الرؤية هو تغيير لمعالم الدولة عن طريق سحب الأعمدة الرئيسية لقيامها ووضع أعمدة جديدة وبوقت قياسي.

ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار أن المجتمعات المحافظة تقوم بطبيعتها بمحاربة أي تغيير مهما كان بسيطاً، وتسعى لإنتاج أنظمةٍ مضادة له.

على صعيد الاقتصاد تم اتخاذ قرارات بتقليل الاعتماد على النفط، وخلق قطاعات جديدة يتعارض بعضها مع مبادئ المجتمع وأسسه، وإدخال المرأة لسوق العمل واستبدال العامل الأجنبي، والذي كان حاضراً في الاقتصاد منذ قيام المملكة، بعامل سعودي لديه نظرة طبقية لفكرة أن يكون مستخدماً.

تناقش هذه الورقة أبرز الآثار الاجتماعية والسياسية للأزمة الاقتصادية في السعودية والتي باتت واضحة بشكل صريح مع انتشار فايروس كورونا مؤخراً.

أولاً: معالم الأزمة الاقتصادية الراهنة في السعودية

منذ 2015 أخذت السعودية تمر بمرحلة مفصلية لجهة انخفاض أسعار النفط وبالتالي الموارد الرئيسية، وانخراطها في صراعات عسكرية مكلفة، إضافة لتبنيها لبرنامج تحول ورؤية تنموية لمرحلة ما بعد النفط تتكلف مليارات الدولارات، حيث تشمل هذه الرؤية مشاريع عملاقة، وتتطلب إحداث تغييرات جذرية وجوهرية لا يمكن أن تمر بدون آثار سلبية.

لابد أن صانع القرار يعي خطورة وصعوبة هذه التحولات على المجتمع والدولة وكذلك على المنطقة، لكنه يستمر في إجراء هذه التغييرات بنفس الوتيرة المتسارعة، لاعتبارات عديدة، أهمها:

عدم قدرة ابن سلمان على التراجع، نظراً لأن هذه التغيرات قد ارتبطت بصورته وشخصه، وبالتالي فإنّ التراجع سيكون مُكلفاً من الناحية السياسية بشكل كبير.

حاجة ابن سلمان لإقناع الفاعلين الدوليين بقوته وقدرته على قيادة التغيير المنشود، وخاصة على المستوى المجتمعي.

وعلى العموم، فإنّ التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت خلال السنوات القليلة الماضية لم تؤدّ إلى ردود فعل خارجة عن نطاق السيطرة، بل ربما كانت ردود الفعل أقل بكثير مما توقعه المراقبون.

أدّت الأزمة الاقتصادية في عام 2020، والتي نتجت عن عامل غير متوقع (فايروس كورونا)، وآخر ربما لم يُدرس بشكل جيد (معركة أسعار النفط) إلى تشوهات اقتصادية كبيرة، بما أثّر على المجتمع بشكل كبير، وسيؤثر بلا شك على تنفيذ “رؤية 2030″، وبالتالي على صورة ابن سلمان.

يمكن تحديد أبرز معالم الأزمة الاقتصادية الراهنة بالآتي:

1) فشل سياسات التنويع الاقتصادي

تسعى السعودية منذ عقود إلى زيادة حصة المساهمات غير النفطية في النشاط الاقتصادي الرئيسي، وقد جاءت رؤية 2030 لتحقيق هذا الهدف تحديداً.

لا يزال قطاع النفط هو القطاع الرئيسي في المملكة، وتتبعه صناعات كيماوية قائمة ومعتمدة عليه، ومن ثم قطاع العقار والإنشاء الذي يعتمد على الدولة بشكل كبير، أي أنه يعتمد على الواردات النفطية.

رغم استحداث قطاعات وبنى تحتية لم تكن موجودة في المملكة سابقاً كتلك التي تتعلق بإعادة التدوير والبنى التحتية التكنولوجية، إلا أن الاسهام في الناتج المحلي والنشاط الاقتصادي العام لا يزال ضعيفاً للغاية، وينعكس ذلك بوضوح على التجارة الخارجية فالنفط يمثل الحصة الأكبر ولا تزيد الصادرات غير النفطية عن 15% من إجمالي التجارة (٢).

2) التوسع في النفقات العسكرية والأعطيات والمنح

لا زالت حرب اليمن تستهلك موارد عسكرية وبشرية كبيرة، سواء من حيث العمليات داخل اليمن، أو الجانب الدفاعي على الحدود أو فوق الأراضي السعودية نفسها.

وعلى العموم، لا تزال السعودية أكبر مستورد للسلاح في العالم، كما أنها تحتل المرتبة الثالثة على مستوى العالم (بعد الولايات المتحدة والصين) في نسبة الإنفاق العسكري إلى الناتج المحلي الإجمالي(٣).

ورغم حجم الإنفاق الكبير على الجيش، إلا أن المعطيات التي شهدتها السنوات الأخيرة أظهرت عدم قدرته على حماية المملكة، وبالتالي فإنّ هناك إنفاقاً إضافياً من أجل تأمين الحماية الفعلية، والتي تتراوح من الشركات الأمنية التي تقدم الحماية المباشرة أو نفقات القوات الأمريكية في المملكة.

يؤدّي هذا الإنفاق الضخم إلى إرهاق الموارد السعودية، ويحدّ من المبالغ التي يمكن تخصيصها على المشاريع التنموية، بما في ذلك مشاريع “رؤية 2030”.

3) انخفاض الاحتياطي النقدي السعودي

انخفض الاحتياطي النقدي من قرابة 3 ترليون ريال سعودي إلى حوالي 1.5 ترليون ريال سعودي، أي أن المصدر الرئيسي للعملات المعتمد عليه في الاقتصاد السعودي أخذ بالتراجع خلال السنوات الماضية بشكل ملحوظ ويتعرض لنزيف واضح ومستمر.

4) أزمة السكن

تُحرم قرابة نصف أسر المملكة من التملك. رغم القروض الكبيرة التي تمنحها الحكومة والبنوك الخاصة لهذا المجال، حيث منحت البنوك قرابة 74 مليار ريال للأفراد عام 2019 من أجل المسكن، ورغم البرامج المتعددة التي تشغلها الحكومة والقرارات التنظيمية التي تصدر على مختلف المستويات، إلا أن التقدم في نسب التملك لا يزال ضعيفاً للغاية.

5) زيادة الضرائب والرسوم الجمركية

قامت الحكومة برفع ضريبة المبيعات والرسوم الجمركية، مما أدّى إلى ارتفاع أسعار السلع المحلية والأجنبية. ويتوقع أن يتم رفع الرسوم الجمركية وفرض ضرائب أخرى في المستقبل.

6) المشكلة المصرفية

تتمثل إشكالية العمل المصرفي في زيادة الاعتماد على الدين الداخلي، والتوسع في عمليات الإقراض، مما يتسبب بضعف الجهاز المصرفي أو زيادة رسومه لتعزيز الربح في مواجهة الأزمة المحتملة.

7) خسائر صندوق الاستثمارات العامة

تحوّل صندوق الاستثمار إلى أداة ابن سلمان للاستثمار وتطوير الموارد، فتحوّل في عهده من الاستثمار الداخلي بشكل أساسي إلى الاستثمار الخارجي.

مُنيت هذه الاستثمارات بخسائر، أو حققت أرباحاً محدودة للغاية. ويعود هذا الأمر إما لسوء الإدارة وضعف الحاكمية الرشيدة داخل الصندوق، أو لأن الاستثمارات كانت في بعضها موجهة لأسباب سياسية لا اقتصادية.

8) إرتفاع معدلات البطالة

بقيت نسبة البطالة أعلى من 12% منذ وقت طويل، رغم البرامج والمؤسسات والهيئات التي سعت للحد من هذه المشكلة. ويُعتقد أن نسبة البطالة سوف تشهد ارتفاعاً كبيراً في المرحلة المقبلة.

كما يُشكك بعض المراقبين في دقة الأرقام الحكومية أصلاً فيما يتعلق بالبطالة.

9) ضعف الاستثمارات الأجنبية القادمة نحو السعودية

لم تتمكن المملكة من جلب استثمارات خارجية كما كانت ترغب، وعلى العكس، فقد شهدت الأعوام الثلاثة الماضية انخفاضاً في حجم الاستثمارات الموجودة أصلاً.

ويعود هذا الأمر لاعتبارات عديدة، من بينها حملة الريتز واغتيال جمال خاشقجي.

ثانياً: الآثار الاجتماعية للأزمة الاقتصادية

أدّت التغيرات الكبيرة التي شهدتها السعودية خلال السنوات الثلاث الماضية على وجه الخصوص إلى آثار عميقة في المجتمع السعودي.

وينبغي ملاحظة أن بعض هذه الآثار ذات طابع محسوس، وبعضها قابل للقياس أيضاً، إلا أن معظمها -كما هي طبيعة التغيرات الاجتماعية وخاصة في الدول الشمولية- لا يمكن قياسها أو معرفة حجمها

كما يلاحظ أن بعض هذه التغيرات ذو طبيعة آنية، لكن البعض الآخر قد لا تظهر نتائجه الفعلية إلا بعد عدّة سنوات.

1) الصراع المكتوم بين المحافظين والليبراليين

تغيّرت السعودية خلال بضعة سنوات بشكل دراماتيكي من التشدد في الالتزام الديني (والذي مثّلت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبرز تجلياته) إلى الانفتاح السريع على العالم، من السماح للمرأة بقيادة السيارة إلى إنهاء دور الهيئة نفسها.

على مدار عقود من التعليم الديني المدعوم من الدولة، نشأ جيل كامل متشبّع بالقيم السلفية، والتي تميل عموماً للتشدد في السلوك اليومي. وحظي المتدينون طيلة العقود الماضية ب حظوة نسبية في بنية المجتمع والدولة.

خلال التغيرات السريعة التي شهدتها المملكة، تحوّل المتدينون إلى فئة مهمّشة، الأمر الذي دفعهم إلى الاختفاء من المشهد بشكل كامل، وبصورة مثيرة للريبة، وبما قد يشي بأنّ عودتهم للظهور قد تكون بصورة عنيفة(4).

وبالمقابل، أتاحت الأجواء الجديدة صعوداً لليبراليين، والذين يمتلكون أصلاً حضوراً مهماً في وسائل الإعلام وأجهزة الدولة.

يُعتقد أن هذا الصراع يمتد داخل المجتمع السعودي بشكل أفقي، وأنّ حجم الهوة بين الفريقين تزداد سعة بمرور الوقت، وخاصة في ظل غياب منابر التعبير لدى المحافظين.

2) زيادة معدلات الجريمة

ظلّت البطالة عند مستويات مرتفعة تتجاوز 12% من إجمالي قوة العمل. ويعتقد أن هذا الرقم أقل من الواقع.

يؤدي ارتفاع معدل البطالة إلى ارتفاع معدل الجريمة. وهناك العديد من الدراسات التي تُظهر الارتباط بين الظاهرتين.

في عام 2017 بلغت جرائم القتل 243 جريمة(5)، وارتفعت في عام 2018 إلى 290 جريمة(6) (انظر الشكل رقم -1-).

كما يلاحظ ارتفاع سنوي في عدد الدعاوى المرفوعة في المحاكم السعودية، والتي زادت بأكثر من 115 ألف دعوى بين عامي 2016 و2018(7)(انظر الشكل رقم -2-).

وارتفع عدد القضايا التي تم التعامل معها من قبل الشرطة (تشمل قضايا المشاجرات والآداب العامة والجرائم الإلكترونية والسرقة وغيرها) من 8.7 مليون جريمة في عام 2017 إلى أكثر من 13.6 مليون جريمة في

ام 2018 (انظر الشكل رقم -3-).

الشكل رقم (1)

توزع جرائم القتل المرتكبة في السعودية 2017-2018

الشكل رقم (2)

تطور عدد القضايا الجنائية في محاكم السعودية (ألف دعوى)

الشكل رقم (2)

تطور عدد القضايا الجنائية في محاكم السعودية (ألف دعوى)

3) انتشار ظاهرة الفقر

أشارت تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في عام 2018 أن نسبة الفقر بين السعوديين تصل إلى 12.3% (وفقاً لمستوى الفقر العالمي، والمحدد عند 1.25 دولار باليوم)(٩).

على الرغم من أنه معدل مرتفع لبلد نفطي، إلا أن 1.25 دولار يومياً (4.5 ريال) لقياس معدل الفقر لا يمثل الواقع، فالمواطن السعودي يحتاج أكثر من 12 ريال (3.2 دولار) لتأمين احتياجاته اليومية من سكن وما يتبعه إضافة للطعام، مما قد يرفع نسبة الفقر الحقيقية إلى أكثر من 25%.

ويُعتقد أن هذه النسبة قد ارتفعت في الآونة الأخيرة بعد إلغاء بدل غلاء المعيشة البالغ 1000 ريال سعودي، بالتوازي مع رفع أسعار معظم السلع والخدمات.

تمثل الأحياء العشوائية أحد مظاهر الفقر المستدام في المجتمع. حيث ينتشر حوالي 150 حياً عشوائياً في مكة والمدينة والطائف(9).

4) إعادة التشكيل الطبقي للمجتمع السعودي

دفعت التغيرات الاقتصادية التي عرفها المجتمع خلال الأعوام الماضية، والتي ارتفعت بشكل حاد منذ الربع الثاني لعام 2020، إلى إحداث انقسامات طبقية حادة وغير مسبوقة في المملكة.

أدّى فرض ضريبة المبيعات ورفع الرسوم الجمركية إلى رفع أسعار السلع والخدمات، بمعنى أن هذه الضرائب تم تحميلها إلى المستخدم النهائي، بما سيؤدي إلى تقليص الطبقة الوسطى بشكل أسرع(10).

ساهمت أنشطة الترفيه في إضفاء بُعد ثقافي واجتماعي للفجوة الطبقية، إذ شعر الفقراء بأنهم محرومون من الاستمتاع بهذا الترفيه (لم يرغب به منهم) لاعتبارات مالية، وترك هؤلاء يشعرون أكثر بالغربة داخل وطنهم(10).

5) التوجه للانخراط في الجيش والأمن والشرطة

بالتوازي مع ارتفاع نسبة البطالة، وانخفاض نسبة التوظيف في القطاعين العام والخاص، حافظت القطاعات الأمنية والعسكرية على معدلات توظيف مرتفعة، كما حافظت على نظام رواتب وأعطيات مرتفع.

يبلغ راتب الضابط بين 7 آلاف-20 ألف ريال بحسب الرتبة، أما الجندي في الجيش فيتراوح راتبه بين 3-7 آلاف ريال، فيما يتراوح راتب الجندي في الأجهزة الأمنية بين 7-12 ألف ريال. ويُمنح الموظف في الأمن علاوات على الراتب تصل إلى 60% من أساس الراتب كزيادات ومنح.

ويُضاف إلى الرواتب والأعطيات العديد من المزايا غير المالية، مثل الخدمات الصحية وتسهيلات السكن.

دفعت هذه العوامل المزيد من الشباب السعودي للتوجه إلى المؤسسات العسكرية والأمنية لطلب التوظيف، وهو ما سيزيد من نسبة تحكم الدولة بالمجتمع، نظراً لأن المنتمين إلى هذه المؤسسات يخضعون إلى تدقيق أوسع، ويمتازون بانضباط أكبر بتوجهات الدولة مقارنة حتى مع موظفي القطاع العام من المدنيين.

6) اضمحلال فئة المقيمين

شكّل المقيمون منذ تأسيس المملكة أحد أبرز مكوناتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإضافة إلى دورهم الاقتصادي الواضح، فإنهم ساهموا في إغناء حالة التنوّع في المجتمع السعودي، وساعدوا على منحه بُعداً إقليمياً أو حتى عالمياً في المدن الرئيسية، وخاصة مكة والمدينة وجدة.

غادر السعودية في عام 2019 حوالي مليون أجنبي، ويتوقع أن يُغادر نحو 1.2 مليون خلال عام 2020.

يُعتقد أن معظم المغادرين هم من موظفي الطبقة الوسطى، الأمر الذي سيترك مجتمع الأجانب في السعودية مقسماً بين أولئك الموجودين في الوظائف العليا، وهم لا يختلطون مع المجتمع السعودي تقريباً، وبين أولئك الموجودين في الوظائف الدنيا، أي أن مجتمع المقيمين أصبح أقل تنوعاً، بما سينعكس بدوره على تنوع المجتمع ككل.

سيساهم هذا الأمر في تشوه صورة الأجنبي بصورة أكبر في الذهنية المحلية، ويعزز من مستوى الخطاب العنصري، كما سيؤدي إلى تشوهات في بنية الاقتصاد، حيث لا يتوقع أن تقوم العمالة السعودية بسدّ جميع الثغرات التي سيخلفها غياب الأجانب.

ثالثاً: الأثر السياسي للأزمة الاقتصادية

1) ظهور بؤر تململ داخل المجتمع السعودي

أدّت التغيرات الاقتصادية المتسارعة خلال السنوات الأخيرة إلى تضرر فئات عديدة ومتفاوتة، حيث تتراوح من كبار رجال الأعمال وحتى الأمراء إلى موظفي القطاع الخاص الذين خسروا وظائفهم، أو موظفي القطاع العام الذين فقدوا بدل غلاء المعيشة، أو المواطن العادي الذي يواجه غلاء الأسعار بعد فرض ضريبة المبيعات ثم رفع قيمتها، ورفع الرسوم الجمركية، ورفع أسعار المحروقات.. إلخ.

انعكست حالة التململ المجتمعي بأشكال مختلفة بحسب اختلاف طبيعة المتضررين، حيث تراوحت من محاولة إخراج ما أمكن من رأس المال إلى الخارج إلى الانتقاد على وسائل التواصل الاجتماعي.

تعاملت السلطات مع هذا التململ ضمن ثلاثة أساليب:

١. الصدام الخشن، حيث استخدمت السلطة الاعتقال، وحتى القتل (كما في حالة عبد الرحيم الحويطات) لإسكات بعض المعترضين، كما استخدمت الإقالات بحق المسؤولين الذين اعتبرت أنهم لا يتجاوبون بما يكفي مع السياسات المفروضة، أو أنهم يعملون بشكل غير مباشر على عرقلتها.

٢. الدعاية المضادة، عبر تجييش الإعلام التقليدي والإعلام الجديد للترويج للسياسات الاقتصادية، والحديث عن النتائج الاقتصادية “المبهرة” التي يتم تحقيقها بناء على هذه السياسات.

٣. الإجراءات الاستيعابية، والتي تشمل إقالة بعض المسؤولين، وتحميلهم مسؤولية الفشل الاقتصادي أو الفساد وسوء الإدارة. فعلى سبيل المثال أصدر الملك في 21 أغسطس 2020 قراراً بإعفاء أمين منطقة تبوك ورؤساء بلديات أملج والوجه والسودة ومسؤول حرس الحدود في نفس المناطق ومحافظي أملج والوجه والسودة وغيرهم من المسؤولين بالاستناد لاعتراضات من المجتمعات المحلية.

يُعتقد أن التململ الاجتماعي من السياسات الاقتصادية سوف يستمر بشكل متصاعد، وخاصة مع الهزَّة المالية التي تعرّضت لها المملكة في عام 2020، والتي أدّت إلى آثار تفوق كل ما سبقها، ولم تكن هذه الهزَّة ضمن ما هو مخطط له.

2) ظهور خطاب الكراهية ضد الأجانب

ارتبطت “خطة 2030” بمحمد بن سلمان شخصياً، وقام بتقديم الخطة داخلياً وخارجياً باعتبارها خارطة طريقه لبناء “السعودية الثانية”، والتي تقوم على أسس اقتصادية مختلفة عما سبقها، وتحمل عقداً اجتماعياً وهوية جديدة.

أدّت المكونات الاجتماعية للخطة (قيادة المرأة للسيارة، والترفيه، وسفر المرأة.. إلخ) إلى رفع شعبية الأمير لدى فئات كبيرة من المجتمع السعودي (وخاصة من الشباب)، كما أدّت إلى منحه صورة المُصلح عالمياً، قبل أن تتراجع هذه الصورة لاعتبارات تتعلق أكثر بسلوكه السياسي.

وبالمقابل، فإنّ التراجع الاقتصادي سيؤثر بالضرورة على صورة وشرعية الأمير، والذي وضع نفسه على رأس كل المؤسسات الاقتصادية والسياسية في الدولة.

كما أن المشاريع الضخمة والطموحة التي أعلن عنها الأمير أصبحت عبئاً عليه، إذ لم يعد قادراً عن التراجع عنها، كما أنه لم يعد قادراً على تأمين الموارد اللازمة لتنفيذها. وإذا فشلت هذه المشاريع بعد إنجازها في تحقيق القفزة الاقتصادية الموعودة فسوف يكون ذلك فشلاً شخصياً له.

سيؤدي انتقال السلطة إلى ابن سلمان في عهد يشهد أسوأ تقشف اقتصادي عرفته المملكة إلى تكوين صورة سلبية في الذهنية السعودية، وهو أمر يتجنبه كل الملوك الجدد في السعودية، والذين يعملون على زيادة الإنفاق الحكومي والأعطيات فور استلامهم لمناصبهم.

3) وضع شرعية ابن سلمان على المحك

شهدت السعودية في السنوات السابقة ارتفاعاً في حدّة الخطاب المعادي للأجانب، والذين جرى تحميلهم جزءاً من مسؤولية الأوضاع الاقتصادية الصعبة، بل وحتى مسؤولية انتشار فايروس كورونا.

يُظهر تتبع حملة خطاب الكراهية مساهمةً من الإعلام التقليدي التابعة للدولة، ومساهمة فاعلين معروفين أو غير معروفين محسوبين عليها في هذه الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي.

تُصبّ معاداة الأجانب في صناعة الهوية السعودية الجديدة التي يأمل ابن سلمان في إحلالها محل الهوية الدينية السابقة، حيث يتم استيحاء خطابات التيارات اليمينية المتطرفة الصاعدة في أوروبا والولايات المتحدة.

الملخص التنفيذي

تشهد السعودية منذ سنوات تغيرات ذات طابع جذري تستهدف الأسس والمكونات الرئيسية التي قامت عليها علاقة السلطة بالمجتمع.

لا يملك ابن سلمان إمكانية التراجع الكامل عن مشاريعه، رغم الأزمة الاقتصادية، لأن هذه المشاريع قد ارتبطت بصورته وشخصه، وبالتالي فإنّ التراجع عنها سيكون مُكلفاً من الناحية السياسية بشكل كبير.

تعيش السعودية أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ومن أبرز مظاهرها:

1) فشل سياسات التنويع الاقتصادي، حيث ما زال قطاع النفط هو القطاع الرئيسي، وما زال القطاع العام هو المشغل الأكبر للعمالة.

2) التوسع في النفقات العسكرية والأعطيات والمنح، والذي ساهمت حرب اليمن في زيادته بشكل كبير.

3) انخفاض الاحتياطي النقدي السعودي، نتيجة لانخفاض أسعار النفط من جهة، وزيادة إنفاق صندوق الاستثمار من جهة أخرى.

4) أزمة السكن، وهي أزمة لم تشهد الكثير من التغير رغم الإنفاق الكبير من طرف الحكومة.

5) زيادة الضرائب والرسوم الجمركية، والتي ارتفعت بشكل قياسي منتصف عام 2020.

6) أزمة الجهاز المصرفي المتمثلة في زيادة الاعتماد على الدين الداخلي.

7) الجدوى المحدودة لاستثمارات صندوق الاستثمارات العامة، والتي تكبّدت خسائر حدّت من القيمة الإجمالية للأرباح.

8) ارتفاع معدلات البطالة، حيث بقيت أعلى من 12% منذ وقت طويل.

9) ضعف الاستثمارات الأجنبية القادمة نحو السعودية، بل وهروب الاستثمارات الموجودة أصلاً.

أدّت الأزمة الاقتصادية إلى آثار عميقة في المجتمع السعودي، أهمها:

1) الصراع المكتوم بين المحافظين والليبراليين، والذي يمكن أن ينعكس لاحقاً على شكل صراع ظاهر، وقد يأخذ طابعاً عُنفياً.

2) زيادة معدلات الجريمة، والتي ترتبط إلى حد كبير بارتفاع معدلات البطالة وتزايد مستويات الفقر.

3) انتشار ظاهرة الفقر: ارتفعت مستويات الفقر في السعودية، حتى أصبحت ظاهرة في المجتمع.

4) إعادة التشكيل الطبقي للمجتمع السعودي: أدّت التغيرات الاقتصادية المتتالية إلى تقليص الطبقة الوسطى بشكل كبير، وزيادة الفوارق الطبقية في المجتمع.

5) توجه الشباب للانخراط في الجيش والأمن والشرطة، حيث تُقدم هذه القطاعات حالة تنافسية مع القطاع العام نفسه، ناهيك عن القطاع الخاص.

6) اضمحلال فئة المقيمين الأجانب، والذين شكلوا على مدار العقود الماضية أحد أبرز مكونات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. .

على الجانب السياسي، أدّت الأزمة الاقتصادية إلى عدّة آثار، أهمها:

1) ظهور بؤر تململ داخل المجتمع السعودي، ويُعتقد أن هذه الظاهرة سوف تستمر بشكل متصاعد، وخاصة مع الهزَّة المالية التي تعرّضت لها المملكة في عام 2020.

2) ظهور خطاب الكراهية ضد الأجانب، والذين تم تحميلهم جزءاً من مسؤولية الأوضاع الاقتصادية الصعبة، بل وحتى مسؤولية انتشار فايروس كورونا.

3) وضع شرعية ابن سلمان على المحك، حيث ارتبطت “خطة 2030” به شخصياً، ومن الطبيعي أن ترتبط به الأزمات الاقتصادية والفشل الذي يعتري السياسات الحكومية.

الهوامش

(1) رؤية المملكة 2030، برنامج تعزيز الشخصية الوطنية:

https://bit.ly/34PtKZy

(2) Who were the largest major arms exporters in the last 5 years?, Defense News, 19/3/2020:

https://bit.ly/3gJXfhJ

(3) الإحصاءات السنوية 2019، مؤسسة النقد العربي السعودي:

https://bit.ly/3lAhAJT

(4) Liberated Saudi Youth Wonder Where All the Wahhabis Have Gone, Bloomberg, 14/11/2019:

https://bloom.bg/34Nwh6x

(5) بيانات الهيئة العامة للإحصاء، الكتاب السنوي للعام 2017، الخدمات الإدارية:

https://bit.ly/34PwciI

(6) الهيئة العامة للإحصاء، الكتاب السنوي للعام 2018:

https://bit.ly/2G7TFkL

(7) الهيئة العامة للإحصاء، الكتاب السنوي، الخدمات الإدارية، الدعاوي أمام القضاء:

https://bit.ly/31MRf3n

(8) راجع بيانات الهيئة العامة للإحصاء، الكتب السنوية للأعوام 2016، 2017، 2018:

https://bit.ly/2G7TFkL

(9) سلم رواتب العسكريين الجديد 1441، محتويات، 25/6/2020:

https://bit.ly/3lwxCo6

(10) Expat Departures to Benefit Saudi Arabia’s Unemployed, Bloomberg, 15/06/2020:

https://bloom.bg/3hQjHXY