الأنظمة الخليجية والتيارات الإسلامية: المشتركات والمفترقات في مسيرة حافلة

الأنظمة الخليجية والتيارات الإسلامية: المشتركات والمفترقات في مسيرة حافلة

مقدمة

عبدالعزيز الغامدي

تحفل العلاقة بين الأنظمة الخليجية -السعودية بالدرجة الأولى- والتيارات الإسلامية -الإخوان المسلمون نموذجا- بالكثير من الأهمية لأنها تعكس توجهات الأنظمة الحاكمة، والأيديولوجية التي تحكمها. في الستينات مثلا، كان الإخوان المسلمون في مصر و والعراق وسوريا، يحظون بمكانة كبيرة في المملكة، خاصة في عهد الملك فيصل، لكنهم اليوم يعيشون حصارا كبيرا في بلدان الخليج سياسيا وإعلاميا بعد التقلبات الكبيرة في الربيع العربي، فما أسباب انقلاب هذا الموقف، وهل كان الاحتضان الأول نابع من إيمان مشترك بالنهج أم مجرد مصلحة سياسية؟ 

المحتوى

أولا: لمحة عن استقطاب الطاقات في الدولة السعودية 

 

 منذ قيام الدولة السعودية الثالثة على يد عبد العزيز آل سعود، وثمة ارتباطٌ معلنٌ بين الديني والسياسي في البلاد وذلك امتداداً للدولتين السعوديتين الأولى (1744- 1818) والثانية (1824- 1891).

كان هذا الارتباط نابعاً من قناعة الملك عبد العزيز بأهمية العامل الديني في تحريك شعوب الجزيرة، وعلى وجه الخصوص في نجد، لأنّه العامل السياسي المهم في توحيد كلمة علماء الدين، وتوحيد القبائل البدوية المختلفة وإخضاعها لسلطة الدولة، بل وتوظيفها كجيشٍ قويٍ مهيبٍ يوطّد الأمن داخل الدولة، ويرهب الأعداء الخارجيين وذلك في ما عرف بـ” حركة الإخوان”وقتها. 

في ذلك الوقت، أدرك عبد العزيز آل سعود في ذلك الوقت بتحديث البلاد، وبناء دولة على غرار ما هو متبع في ذلك الوقت، فاستقطب الكثير من العقول العربية لمساعدته على بناء الدولة الحديثة، ومن أبرزهم: من العراق: عبدالله سعيد الدملوجي، ورشيد عالي الكيلاني، وموفّق الألوسي. ومن سوريا: يوسف ياسين، وخير الدين الزركلي، وخالد الحكيم، ورشاد فرعون. ومن مصر: حافظ وهبة. ومن فلسطين: رشدي ملحس. ومن لبنان: فؤاد حمزة. ومن ليبيا: بشير السعداوي، وخالد القرقني، وغيرهم كثيرٌ.

كما ربط أواصر الودّ مع كثيرٍ من المفكرين العرب حينها، ومنهم أمين الريحاني، ورشيد رضا، وشكيب أرسلان وغيرهم، وكان حريصاً على توثيق صلاته بعلماء العالم الإسلامي من الهند وباكستان إلى مصر والشام والعراق وغيرها، وكان يقدّم كافة أنواع الدعم لهم، على شح ذات اليد في البدايات. وصارت هذه سياسةً سعوديةً ثابتةً.

كانت وسيلة عبد العزيز الأشهر لهذا الدعم هي طباعة الكتب، لنشر العلم أولاً،  ولكسب الولاءات الدينية والسياسية ثانياً، وكان يستفيد من بعضهم للردّ على بعض تشدّدات علماء نجد. لاحقا، حذا حذوه أنجاله من بعده: الملك سعود والملك فيصل ثم خالد وفهد، وكان لكلٍ طريقته وسياسته التي تناسب الظروف المحيطة في عصره. وتأتي علاقة السعودية بحسن البنّا وجماعته “الإخوان المسلمون” ضمن هذا السياق، لكنها تطورت لتأخذ شكلا آخر وفقا لما حصل وقتها من صدام مع التيارات القومية خلال زمن جمال عبد الناصر. 

 

ثانيا: عدو عدوي صديقي  

لم تمر العلاقة بين الطرفين في بداياتها بالتدرج المعتاد في العلاقات بين الدول والحركات ذات الطبيعة السياسية؛ فبدأت “رسمية” من أيامها الأولى، خلال لقاء تاريخي جرى في العام 1936 بين المؤسسيْن الملك عبد العزيز آل سعود ومؤسس الجماعة الإمام حسن البنا، واستمرت تنمو بهدوء واطراد.

وقد أدت هذه المرحلة للوصول إلى المرحلة الأهم في تاريخ الطرفين، وهي مرحلة التحالف الوثيق حين وجد كل من الطرفين أن التحالف يحقق له مصلحة خاصة مؤقتة أو دائمة، فقد وجد الإخوان في السعودية ملجأً لهم من بطش جمال عبد الناصر، ووجدت السعودية في الإخوان حليفا قويا لمواجهة المد القومي الذي انتشر في مختلف الأقطار العربية حاملا بذور الصراع مع المملكة سياسيا ودينيا.

يجدر التوقف هنا عند نقطة مهمة ستفسر سببا آخر من أسباب الصراع “العضوي” الذي سينشأ لاحقا. إن خطورة التيار القومي الذي علا صيته في زمن جمال عبد الناصر، لم يكن يتعلق بوجود شخصية كاريزمية مثل عبد الناصر، يمكنها سحب البساط من كل الشخصيات المنافسة وحسب، وإنما كان الأمر يتعلق بالتيار القومي ككل، والذي أصبحت مصر الراعي الرسمي له، والذي أدى انتشاره لسيطرة مصرية جارفة بما تمتلك من أدوات وإمكانيات في ذلك الوقت، على القرار الشعبي والعربي، كان من الطبيعي أن تثور مظاهرات أو تحدث ثورات بتأثيرات القومية العربية التي كان يمثلها عبد الناصر. يُضاف لذلك، الخلافات الجوهرية الرئيسية بين الصحارى والمدن. فقد كان العالم العربي مقسم وقتها إلى صحارى: الخليج والممالك القبلية في شبه الجزيرة، والمدن الممثلة بمصر والعراق وسوريا والأردن والمغرب والجزائر. كانت الأنظمة وطريقة المعيشة مختلفة ومتضاربة أحيانا إلى حد بعيد، بما في ذلك الطموحات السياسية لتلك الشعوب في الوحدة العربية على أساس القومية، وهو ما كان يعني سحب البساط تماما من الأنظمة القبلية التي كانت المدى ترى في ذلك الوقت ضرورة إزاحتها. 

يفسر هذا الأمر أيضا، طبيعة العلاقات والتحالفات الدولية التي عقدها كل طرف حينها، مدفوعا بهذا المنطلق. وهكذا، كانت رياح الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي تنعكس على هذه العلاقة والمنافسة بين: السعودية المدعومة من الغرب الأميركي ومصر المدعومة من الشرق السوفياتي.

نتيجة لهذا: تكامل التحالف بين دولة ناشئة تنام على أنهار من الثروة تحتاج يدا عاملة وأقلاما منتجة لتصوغ رؤيتها للتعاطي مع العالم الجديد، خصوصا في مجال وضع إستراتيجيات التعليم وصياغة المناهج، وتجديد الخطاب الديني الذي كان وقتها بحاجة إلى تحديث وتطوير.

وترجمت تلك الحاجة السعودية في استلام الإخوان من عدة أقطار عربية في هذه الفترة قطار التحديث والبناء في عدة مؤسسات سعودية، خصوصا في مجال التعليم الذي كان مجال البصمة الإخوانية المتناغمة مع الأرض السلفية، وهنا تكامل الطرفان: الباحث عن مأوى ومستقر والباحث عن عقول وكوادر، وقد استمر هذا المسار طيلة الفترتين الناصرية والساداتية؛ حيث ساهمت السعودية بعد رحيل عبد الناصر في الإفراج عن قياديي الإخوان المسجونين في مصر، واستضافت بعضهم بكثير من الحفاوة والترحاب. ثم ظهر هذا التعاون بشكل جلي لاحقا على الأرض، بالتعاون الأخواني السعودي في ملف الحرب الأفغانية ضد السوفيت، وما شكلته ظاهرة الأفغان العرب بالتعاون مع أفغانستان، التي يحمل قادتها علاقة قوية مع باكستان، فضلا عن علاقة دعاتها ومشايخها المؤثرين المميزة مع قادة الإخوان المسلمين، خاصة وأنهم يحملون نفي الفكر الحركي. 

هناك عامل آخر، ساعد على نمو العلاقة، كان الفكر الشيوعي في ذلك الوقت، هو الخطر الأول بالنسبة للعام الغربي، صحيح أن اللهجة الغربية في ذلك الوقت لم تكن سلسلة أيضا بالنسبة للتيار الإسلامي، لكن التيار الشيوعي السوفيتي وحلفاءه القوميين العرب، كان هم الهدف الأول للهجوم الإعلامي والسياسي الغربي، لم يكن التحالف مع الإسلاميين جريمة عالمية نكراء كما هو حاصل اليوم، بل إن أمريكا نفسها كانت تفاخر بدعمها للمجاهدين الأفغان، واستقبلتهم في البيت الأبيض نفسه، فضلا عن زيارات زبيجنيو بريجنسكي المتكررة للمجاهدين الأفغان في أفغانستان نفسها وتقديم الدعم المالي والعسكري للجماعات الإسلامية.. التي ستكون بعد عقد.. العدو الأول للولايات المتحدة والعالم الغربي. 

نقطة التحول

يمكن اعتبار تغير أنماط وأشخاص الحكم في السعودية أحد أسباب المواجهة بين الإخوان وحكام السعودية، خصوصا بعد وفاة الملك فيصل، حين بدأ الحكام ينظرون بعين الريبة إلى مخرجات المناهج التعليمية التي صاغها الإخوان، ورأوا فيها بوادر قوة معارضة في بلد حسم وجهته السياسية بالولاء التام للملك والعائلة المالكة.

وقد أضيفت عناصر أخرى إلى مائدة الخلاف الممتد بين الطرفين تتمثل من بين أمور أخرى في التباين في الرؤية للموقف من حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، ورفض الإخوان الاستعانة بالقوى الغربية في تحرير الكويت من الغزو العراقي.

ثم استوت على جودي التأزيم سفينة العلاقة بين الطرفين بعد أن وجه من يعرفون حينها بمشايخ الصحوة -وفي مقدمتهم الشيخ سفر الحوالي– “مذكرة النصيحة” إلى الملك خروجا بذلك عن مبدأ الطاعة والتسليم، وكجزء من تأثيرات الحضور الإخواني في البلد.

كانت هذه الحوادث وغيرها الكثير، مؤشرات على قرب حلول الصدام المباشر بين الطرفين، يمكننا القول أن غياب التوافق الدولي مع الإسلاميين والتصالح معهم، كان سببا آخر في رغبة السعودية التخلص من هذه العلاقات التي رأت أنها ربما أصبحت عبئا عليها، خاصة مع دخول التيارات الإسلامية في قتال مباشر مع أمريكا في أفغانستان والعراق، والصدامات المباشرة مع إسرائيل في فلسطين من خلال أحد أذرع الإخوان المباشرة فيها” حركة المقاومة الإسلامية حماس”. لا يخفى على أحد، أن بعض الأمراء السعوديين لابد وأنهم ساهموا بشكل ما في هذه المواجهات بالدعم المباشر أو بالتسهيلات اللوجستية أو بالدعم الإعلام، أو على أقل تقدير، غض الطرف عما كان يحصل من دعم سعودي لهذه الحركات في هذه المعارك ضد الحليف السعودي الأول: الولايات المتحدة. 

 

استمر هذا المسار لعشرية كاملة قبل أن يتأجج أكثر مع ما بات يعرف بالربيع العربي، وقبل اندلاع الثورات لم تكن السعودية مرتاحة للصعود السياسي لقوى محسوبة على الإخوان في السودان وتركيا وفلسطين، ولكنه ازداد بشدة مع رياح الربيع العربي حيث وقفت السعودية بوضوح في مواجهة هذا الربيع، وسعت للحيلولة دون سقوط بعض الأنظمة مثل مصر واليمن.

ثم اتخذت لاحقا موقفا “معارضا” لبعض الحكومات التي قامت بعد الثورات، ودعمت الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، قبل أن يرتفع المؤشر في 2014 إلى اعتبار الإخوان جماعة إرهابية ضمن كيانات أخرى.

وبعد مجيء الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز تبادل الطرفان إشارات إيجابية، منها تصريح لوزير الخارجية السابق سعود الفيصل قال فيه إنه لا مشكلة لديهم مع الإخوان وإنما مع فئة قليلة تنتمي لهذه الجماعة هي من في رقبتها بيعة للمرشد، ثم استقبلت المملكة لاحقا شخصيات إسلامية محسوبة على الإخوان، في مقدمتهم الشيخ القرضاوي وراشد الغنوشي وخالد مشعل.

وضمن نفس السياق بدأت مستوى من التعاطي الإيجابي مع حزب الإصلاح النسخة اليمنية من الإخوان، غير أن كل تلك الاتصالات كانت استثناء منقطعا من المشهد السياسي الرسمي الغاضب على الإخوان.

ولم تدم تلك الإشارات الإيجابية طويلا؛ فمع التغييرات الكبيرة التي تعصف بالمشهد السعودي سياسيا واجتماعيا وثقافيا بعد صعود محمد بن سلمان وليا للعهد و تحالفه الوثيق مع محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي لم تتسع الشقة فقط بين الطرفين، بل تحولت إلى حالة عداء حين هدد محمد بن سلمان بالقضاء على الإخوان، قبل أن يشن عليها هجوما جديدا بلغ حد اتهامها باغتيال عمه الملك فيصل بن عبد العزيز.

وقال في لقاء مع مجلة ذي أتلانتيك إن عمه الملك فيصل دفع حياته ثمنا لمحاولة التصدي للإخوان المسلمين، وإن بلاده دعمت الإخوان المسلمين خلال حقبة الحرب الباردة بطلب من الولايات المتحدة الأميركية. 

 

ثالثا: الإخوان المسلمون.. خطر بالفطرة على الممالك الخليجية  

لماذا تمثل ما يُسمى بـ”تيارات الإسلام السياسي” خطرا كبيرا على الممالك الخليجية؟ لان النهج الذي تقوم عليها تلك التيارات مخالف تماما للنظم الخليجية نفسها، حتى وإن تصالح الطرفان لفترة من الزمن، أو التقت مصالحهما عند نقطة ما. الربيع العربي على سبيل المثال، يصف خطورة الأمر، وكيف يمكن للتيارات الإسلامية الوصول للحكم وتغيير نظامه لو أتيح للشعوب الحرية الكافية للاختيار. هذه نقطة أخرى للخلاف في مفهوم الحرية، فالحكام في المملكة لا يرون أن تكون للحرية سبيل أو منفذ يصل بالشعب إلى حد اختيار الحاكم، أو جعل الحاكم  وتصرفاته موضوعا الاختيار، أو جعل أداءه محل نقاش للشعب، يمكن أن يفضي بإلإطاحة به ببساطة في انتخابات تقام كل 4-5 سنوات !

أن المنطقة العربي التي تكاد تكون آخر مناطق الحكم الدكاتوري في العالم، وجدت أخيرا المعادلة الحداثية التي يمكن من خلالها الالتحاق بركب العالم المتقدم، دون الاضطرار للاختيار بين التخلي عن هويتها الإسلامية أو البقاء في غياهب الدكتاتورية وحكم الرجل الواحد الذي تصلح بصلاحه البلاد، وتفسد بفساده أمور الحكم والشعب. إن النموذج نفسه والتفكير فيه واحتمالية حصوله، يمثل بحد ذاته خطرا على أنظمة الحكم في الخليج، لهذا اختطت تلك الدول لنفسها خطا واضحا تمثل في: 

  • إحباط كل التجربة في سوريا ومصر وليبيا وتونس واليمن، لأن نجاحها في أي بلد من هذه البلدان، يعني انتشار التجربة في كل البلدان الأخرى. 

(وهو ما يفسر سبب العداء السعودي مع تركيا، رغم احتياجها لحليف سني إقليمي قوي بمواجهة إيران ومليشياتها، التي تمثل خطرا لا يقل عن الخطر الآخر، لكن لعلها رأت أن الخطر داخلي هنا، بينما هو هناك خارجي !) 

  • دعم التيارات الإسلامية الأخرى، التي ترى فيها منافسا محتملا للإخوان المسلمين والتيارات الحركية، سواء في البلدان التي يمكن لوجودها فيها تدمير التجربة كلها -حزب النور- أو في البلدان الأخرى التي لا تمانع فيها تلك التيارات من إسباغ الشرعية على النظام الحاكم في المملكة مقابل الحصول على الدعم المادي. “بعض التيارات الصوفية مثال على ذلك”. 
  • الحيلولة دون تكرار هذه التجربة المرة مع الربيع العربي، بدعم الانقلابات العسكرية في تلك البلدان، وتضييق الخناق ليس على الإسلاميين وحسب، وإنما على أي صوت من شأنه فتح المجال للحرية التي ستأتي عاجلا أم آجلا بنموذج إسلامي جديد.. لا بد وأنه سيشكل خطرا هو الآخر ! 

 

الخلاصة

رغم العلاقة المتقبلة بين التيارات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمون مع الحكومة السعودية خاصة والأنظمة الخليجية عامة، إلا أن طبيعة التوجه الإسلامي، والنهج الحداثي الذي تتبعه تلك الجماعات، يمثل خطرا عضويا وتهديدا وجوديا على تلك الأنظمة، ليس فقط في البلدان الخليجية وحسب، وإنما في البلدان الأخرى، وبالتالي يشكل النجاح في بلد ما، خطرا داهما على النظام في السعودية نفسها. 

في المستقبل القريب، يمكن القول أن العلاقة ستستمر بالتوتر، إلا في حال انتقال الخطر الإيراني لخطر وجودي أكبر منه، بحيث تضطر تلك الأنظمة للتصالح مع التيارات الإسلامية الحركية لمواجهة هذا الخطر في سبيل البقاء.