التقارب السعودي العماني.. الأسباب والمآلات

التقارب السعودي العماني.. الأسباب والمآلات

تمهيد

اختتم السلطان العُماني هيثم بن طارق في 13 يوليو زيارة رسمية لمدة يومين إلى السعودية بدعوة من الملك سلمان بن عبد العزيز.

وحملت هذه الزيارة أهمية خاصة من عدّة جوانب: 

  • أنها أول زيارة يقوم بها سلطان عُماني إلى السعودية منذ 11 عاماً، فقد كانت الزيارة الأخيرة للسلطان قابوس إلى المملكة في مايو 2010، وهي أول زيارة خارجية على الإطلاق للسلطان هيثم منذ توليه لمهام منصبه.
  • أنه النشاط الأول الذي يُشارك فيه الملك سلمان مع شخص خارجي منذ بدء أزمة كورونا.
  • أن الزيارة جاءت بُعيد تصاعد الخلافات السعودية-الإماراتية بشكل علني بداية يوليو.

وفي الإطار العام للمشهد، فإنّ الزيارة جاءت في ظل عدد من المعطيات في المنطقة، أبرزها: 

  • المساعي الأمريكية للتوصل إلى اتفاق جديد مع إيران، وهو اتفاق تُشارك عُمان فيه كقناة خلفية، مثلما شاركت في الاتفاق الأول.
  • المساعي السعودية للتوصل إلى تسوية للحرب في اليمن.
  • المساعي السعودية لترطيب العلاقات مع إيران، في مباحثات تتم بوساطة عراقية.
  • التوترات العُمانية-السعودية على خلفية الوضع في محافظة المهرة اليمنية، والتي يملك الطرفان فيها حضوراً وازناً ومؤثراً.
  • الظروف الاقتصادية الصعبة في عُمان، والتي أدّت إلى احتجاجات شعبية غير مسبوقة في الأشهر الماضية.

وخلال الزيارة التي استمرت يومين التقى بن طارق الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان وتم بحث ونقاش عدة قضايا محورية وتوصل البلدان إلى مجموعة من المخرجات، وفق الإعلانات الرسمية، وهي كما ما يلي:

  1. التوقيع على مذكرة تفاهم بشأن تأسيس مجلس تنسيق سعودي عُماني برئاسة وزيري خارجية البلدين.
  2. توجيه الجهات المعنية للإسراع في افتتاح الطريق البري المباشر والمنفذ الحدودي الذي سيُسهم في سلاسة تنقّل مواطني البلدين وتكامل سلاسل الإمداد في سبيل تحقيق التكامل الاقتصادي بينهما. ويمتد الطريق الجديد على طول حوالي 600 كم ويسمى “منفذ الربع الخالي” أو “منفذ رملة خبلة”، ويمر الجزء الأكبر منه داخل المملكة، وتم الاتفاق على إنشائه عام 2006 وكان من المقرر افتتاحه في أوائل عام 2020.
  3. العمل على إبرام عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والأمنية والثقافية والدبلوماسية والتعليمية وفي كل ما من شأنه أن يعزز المنافع والمصالح المشتركة.
  4. رفع وتيرة التعاون الاقتصادي بين البلدين من خلال تحفيز القطاعين الحكومي والخاص للوصول إلى تبادلات تجارية واستثمارية نوعية تسهم في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 ورؤية عُمان 2040، عبر إطلاق مجموعة من المبادرات المشتركة والتي تشمل مجالات تعاون رئيسة منها الاستثمارات في منطقة الدقم، والتعاون في مجال الطاقة، بالإضافة إلى الشراكة في مجال الأمن الغذائي، والتعاون في الأنشطة الثقافية والرياضية والسياحية المختلفة.
  5. الترحيب بانعقاد مجلس الأعمال السعودي العُماني عبر الاتصال المرئي الذي انعقد 4 يوليو.
  6. تعزيز التعاون في مجالات البيئة والأمن الغذائي ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر السعودية.
  7. في الشأن اليمني، أكّد الجانبان على تطابق وجهات نظرهما حول مواصلة جهودهما لإيجاد حل سياسي شامل للأزمة اليمنية.
  8. التعاون والتعامل بشكلٍ جدي وفعّال مع الملف النووي والصاروخي الإيراني بكافة مكوناته وتداعياته وبما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
  • وتبدو مخرجات الزيارة كإطار عمل، أكثر مما هي في شكل تفصيلي، حيث لا يزال البلدان في طور اختبار النوايا والتحقق من مصداقية دوافع كل طرف في تطوير مستوى العلاقات مع الطرف الآخر.

الدوافع

1. بالنسبة لعُمان

  • عادة ما تكون الزيارة الخارجية الأولى لأي زعيم مؤشراً على خصوصية العلاقة بين البلدين. وقد أراد السلطان هيثم استخدام هذا المؤشر لتأسيس علاقة إيجابية مع السعودية. وتُقدّر الدبلوماسية السعودية مثل هذا النوع من المبادرات.
  • في الوقت الذي شهدت فيه عُمان احتجاجات في عدة مدن خلال الأشهر الفائتة، يعاني الاقتصاد العُماني من أضرار جائحة كوفيد 19 التي سببت انخفاض أسعار النفط والذي تعتمد عليه عُمان بشكل كبير في دخلها القومي، وكانت زيارة السلطان هيثم أشبه بمحاولة إسعافية لاحتواء الاحتجاجات عبر تعزيز العلاقات الاقتصادية مع المملكة التي تستطيع بالفعل قلب الموازين الاقتصادية العُمانية في حال تحقيق شراكة اقتصادية متكاملة معها.
  • تشير معلومات خاصة إلى أن السلطان هيثم أدرك أن هناك أياد خفية سعودية سعت ولا تزال في تحريك الاحتجاج وتأجيج الشارع في عُمان، من أجل الضغط على السلطة لتقديم تنازلات في سياساتها الخارجية غير المتوافقة مع السعودية، ويبدو أن الرسالة وصلت إلى السلطان هيثم وعليه توجه بشكل مباشر إلى الرياض.
  • تسعى مسقط إلى موازنة العلاقة العُمانية-الإماراتية المتوترة تاريخياً، وهي تُدرك أن السعودية هي الدولة الوحيدة في المنطقة القادرة على تحقيق هذه الموازنة وضبط المواقف العدائية الإماراتية.
  • تسعى مسقط إلى استعادة التوازن النسبي في علاقاتها بين السعودية من جهة وإيران من جهة أخرى، لا سيما وأن خللاً واسعاً حدث في موازنة هذه العلاقات منذ مساهمة عُمان الفاعلة في جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة لتوقيع خطة العمل المشتركة عام 2015 وهو ما اعتبرته السعودية تهديداً لأمنها في المنطقة.

2. بالنسبة للسعودية 

  • بناء على المخاوف السعودية من إمكانية عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي وما سيرافقه من رفع العقوبات عن إيران وهو ما يرفع مستوى المخاطر على مصالح الرياض، تتحرك السعودية باتجاه التعامل مع هذه المخاطر المحتملة. ويُساهم تعزيز العلاقة مع عُمان في الحدّ من النفوذ الإيراني في اليمن تحديداً، وفي نفس الوقت فإنّ عُمان يُمكن أن تُساهم بشكل إيجابي في بناء خطوط التواصل السعودية-الإيرانية.
  • تسعى السعودية إلى الاستفادة من الدور العُماني في اليمن، وعلاقتها القوية بالحوثيين، حيث يمكن لعُمان أن تُساهم بشكل فعّال في التوصل إلى تسوية للحرب في اليمن. كما يُمكن لعُمان أن تُساعد في تأمين المصالح السعودية في محافظة المُهرة.
  • يساعد تعزيز العلاقات العُمانية-السعودية في إضافة ضغط إضافي على الإمارات، والتي تُحاول تحدي القيادة السعودية في منطقة الخليج والعالم. ويُلاحظ في هذا الإطار أن الزيارة تمّت في مدينة نيوم، والتي يمكن اعتبارها المقابل والمنافس السعودي لمدينة دبي.
  • تملك السعودية رغبة في استعادة فاعلية سياسات مجلس التعاون على الصعيد الأمني بعد قمة العلا، حيث إن الثغرات والتحديات الأمنية التي خلفها سلوك دول الحصار أدى إلى تهديد أمن المنظومة ككل بما في ذلك سياسات عُمان التي حاولت تقليل الانخراط والفاعلية ضمن توجهات مجلس التعاون على خليفة الأزمة مع دولة قطر.

قيادة العالم الإسلامي التي تسعى السعودية إلى عدم فقدانها أو ترميم مكانتها ضمن هذه الخانة تفرض عليها أن تحافظ على سياسة متوازنة مع الدول الإسلامية ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي التي تمثل دائرة التأثير الأولى للسياسات السعودية، عدا عن خصوصية عُمان الدينية كونها تتبع المذهب الإباضي.

الآثار المحتملة

1. الداخل العُماني 

اقتصادياً

أ.  من المرجح أن يؤدي تطور العلاقات بين البلدين وإحداث ما يشبه تنسيق وموائمة بين أهداف خطة 2040 العُمانية وخطة 2030 السعودية إلى تحسن طفيف على المدى المنظور في الاقتصاد العُماني والذي يعاني من العجز، فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي بنهاية الربع الأول من عام 2021 وفقاً لبيانات وزارة المالية العُمانية انخفاضاً بنسبة 2.5% مقارنة مع ذات الفترة عام 2020، وشهدت الأنشطة النفطية للدولة انخفاضاً بنسبة 20.6%. 

ب. من المتوقع أن تتجه السعودية إلى رفع استثماراتها في عُمان على الرغم أن مؤشرات تصنيف ائتمانية عالمية اعتبرت عُمان دون الدرجة الجديرة بالاستثمار. وبحسب أرقام 2018 فقد بلغ حجم الاستثمار الأجنبي في عُمان حوالي 26 مليار دولار أمريكي فقط. لكن مسقط مؤخراً أصدرت عدة قرارات لتشجيع الاستثمار الأجنبي داخل البلاد وكان من أهمها اعتبار معاملة الاستثمارات الخارجية كالاستثمارات الداخلية للشركات والمواطنين العُمانيين.

وقد انعقد آخر اجتماع استثماري لملتقى الاستثمار السعودي العُماني في أواخر 2019. وقام وفد عُماني بزيارة لوزارة الاستثمار السعودية في يونيو الماضي لبحث فرص الاستثمار.

على الأرجح إن المنطقة الاقتصادية في الدقم ستكون الوجهة الرئيسية لاستثمارات السعودية القادمة -إلى جانب المنطقة الحرة في صلالة بشكل أقل- حيث سيتم ربط الطريق الجديد بميناء الدقم ليشكل ممراً للصادرات والواردات السعودية نحو خليج عُمان. ومن المحتمل -وفق رؤية استشرافية- أن يتم مد خط أنابيب للنفط من المنطقة الشرقية في السعودية إلى منطقة الدقم الاقتصادية.

سياسياً

أ. من غير المرجح أن يؤدي تنامي العلاقات السعودية-العُمانية إلى تغيير في سياسات عُمان الخارجية والقائمة على مبدأ النأي بالنفس والفاعلية المنخفضة في القضايا الإقليمية والدولية. لكن من المتوقع أن ترتفع فاعلية عُمان نسبياً في صياغة سياسات وأنشطة مجلس التعاون الخليجي، وأن تتناغم السياسات العُمانية مع التوجهات السعودية الخارجية، في حالة استمرار العلاقات الإيجابية بين البلدين.  

ب. سترفع الزيارة من مؤشر الشرعية السياسية للسلطان هيثم في الداخل العُماني وبين أعضاء الأسرة الحاكمة أيضاً، حيث إنها الزيارة الخارجية الأولى له وقد حصدت نتائج مهمة وفق اعتبارات منظري السياسة العُمانية. 

اجتماعياً 

في حال أثمرت مخرجات الزيارة إلى تحسين الوضع المعيشي بشكل عاجل في عُمان، من المتوقع أن تنخفض فاعلية الحركة الاحتجاجية في البلاد خصوصاً بين صفوف الشباب.

بخلاف ما سبق قد يتم تصعيد الحركة الاحتجاجية مجدداً بناء على دفع أطراف خارجية، وخاصة الإمارات، لإبقاء حالة من الضغط على السلطة الحاكمة في عُمان. وقد تُشارك السعودية نفسها في تأجيج الحركات الاحتجاجية خلال مرحلة اختبار النوايا التي سيمر فيها مسار العلاقات السعودية-العُمانية بعد الزيارة.

2. القضية اليمنية 

ستبقى القضية اليمنية في الغالب مسألة خلافية غير معلنة بين البلدين، فمن غير المتوقع أن تُغير عُمان من طبيعة مواقفها من المسألة اليمنية، لكن قد تحدث أنشطة دبلوماسية منخفضة الفاعلية من أجل دفع الحل السياسي إلى الأمام بناء على امتلاك مسقط لعلاقات جيدة مع جماعة الحوثي.

من المحتمل أن تسعى عُمان إلى تكثيف نشاطها الدبلوماسي وتفعيل جهود الوساطة بشكل أكبر من أجل إخراج السعودية من مأزقها في اليمن، مستخدمة نفوذها وعلاقاتها مع الحوثيين من أجل القبول بصيغة أكثر مرونة لوقف الحرب.

وقد بدأت بوادر هذا الأثر في يونيو الماضي، حيث زار وفد عُماني العاصمة صناعة والتقى بقيادات في جماعة الحوثي من أجل بحث إيصال المساعدات الإنسانية إلى اليمن عبر إعادة فتح مطار صنعاء أمام شحنات المساعدات الدولية.

ستبقى قضية محافظة المهرة الحدودية مع عُمان على الأرجح قضية عالقة بين مصالح عُمان الناعمة فيها بناء على الارتباط التاريخي والقبلي مع مواطنيها- وبين النفوذ السعودي المتنامي داخل المحافظة والذي بدأ منذ عام 2019.

هذه المحافظة تشهد تنافس للمصالح بين الرياض ومسقط منذ بدء الأزمة اليمنية، حيث تعتبر الأخيرة أن الحوثيين يقومون باستخدام هذه المحافظة لنقل الأسلحة إلى عناصرهم، وهو ما دفع التحالف العربي إلى فرض قيود أمنية مشددة على المحافظة التي شهدت نشاطاً اقتصادياً كبيراً بسبب تجارة المعابر مع عُمان على اعتبار أن المعارك العسكرية بين التحالف والحوثيين لم تطل المهرة. وهو ما أثار استياء مسقط حيث اعتبرت أن التدخل السعودي في المهرة هو تهديد لمصالحها الاقتصادية والأمنية.

أمنياً أيضاً سيساعد التقارب في تعزيز أمن الحدود، حيث قامت عُمان بنشر قوة عسكرية قوية على حدودها مع اليمن وقامت ببناء سياج معزز بتقنيات متقدمة لمراقبة الحدود من أجل مكافحة التسلل المحتمل للمقاتلين والأسلحة عبر محافظة المهرة اليمنية لا سيما مقاتلي تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب.

3. العلاقات مع إيران 

من المستبعد أن تتراجع العلاقات العُمانية-الإيرانية على خلفية التقارب مع السعودية، بل على العكس، فإنّ من مصلحة السعودية في الوقت الراهن أن تبقى العلاقات العُمانية-الإيرانية في حالة إيجابية، حيث يمكن أن تُساعد في أدوار وساطة محتملة لتقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران في المحادثات التي تجري بينهما في العراق، خصوصاً من أجل الحصول على ضمان بعدم تهديد برنامج إيران الصاروخي أمن الخليج بعد أي عودة محتملة للولايات المتحدة إلى خطة العمل المشتركة.

أظهرت الأزمة الخليجية أنه لا يمكن للسعودية أن تحافظ على نهجها التصعيدي ضد إيران لذلك طرأ تغير على استراتيجيات الرياض بخصوص هذا الملف، وباتت أكثر مرونة في تفعيل مسارات دبلوماسية معها، وبناء على ذلك فإن تطور العلاقات السعودية والعُمانية سيزيد من مستوى المرونة السعودية اتجاه تعزيز المحادثات والتواصل مع إيران.

بالنسبة لإيران فإنها من المتوقع أن تستثمر التقارب السعودي-العُماني لتفعيل علاقاتها وأنشطتها الدبلوماسية بشكل أكبر مع مسقط.

4. العلاقات مع إسرائيل 

تمتلك عُمان مقاربة أكثر انفتاحاً في علاقاتها مع إسرائيل وبشكل معلن، حيث شكلت زيارة رئيس الوزراء السابق إلى عُمان بنيامين نتنياهو 2018 بوابة انطلاق لبقية المنظومة الخليجية من أجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

قد يتم تطوير شراكة ثلاثية إماراتية-عُمانية-إسرائيلية خصوصاً في ظل الحاجة المتزايدة لمسقط من أجل جر استثمارات أجنبية إلى البلاد بما يسد العجز في اقتصادها وعليه قد تكون إسرائيل أحد المستثمرين الرئيسيين إلى جانب الإمارات والسعودية في منطقة الدقم الاقتصادية والمنطقة الحرة في صلالة.

ترى بعض المصادر العُمانية أن عُمان قد يكون دورها القادم كـ (بيضة القبّان) في إحداث توازن في العلاقات الخليجية الإسرائيلية ككل. وتستند هذه الرؤية إلى قدرة عُمان على إحداث توازن من ثلاث جهات: الأولى علاقاتها القوية مع إيران والثانية كونها من دول مجلس التعاون والثالثة لعلاقاتها الجيدة بإسرائيل، حيث كانت عُمان أول دولة خليجية تنشئ علاقات علنية مع تل أبيب منذ عام 2000.

5. الولايات المتحدة 

يُساعد تحسّن العلاقات العُمانية السعودية في تأمين قناة اتصال بين طهران والرياض، وهو ما يصب في صالح الوصول إلى نقطة التوازن التي تبحث عنها الإدارة الأمريكية، والمتمثلة في التوصل إلى اتفاق نووي مع طهران، دون إغضاب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

تنشيط اتفاقية حق وصول الولايات المتحدة واستخدام المرافق العُمانية الموقعة عام 2019 على خلفية التوتر في مضيق هرمز، حيث إن عملية تخفيف التجاذب والاستقطاب بين المملكة وعُمان سينعكس بشكل إيجابي على استراتيجيات الدفاع والأمن للولايات المتحدة في منطقة الخليج ككل خصوصاً فيما يتعلق بحماية حركة الملاحة في مضيق هرمز.

6. دولة قطر 

تخفيف حدة الاستقطاب بين دولتي السعودية وعُمان سينعكس إيجاباً على تطور ملف المصالحة الخليجية على اعتبار وجود إدراك جديد لدى دول الحصار بضرورة حل الخلافات الخليجية وتقريب وجهات النظر بين دول مجلس التعاون.

تقليل حجم الضغوطات على دولة قطر إزاء علاقاتها الناشئة مع إيران، حيث إن تقبّل السعودية لتعزيز علاقاتها مع مسقط يشير إلى عدم وجود معارضة لدى الرياض من أن يكون هناك روابط بين دول خليجية وبين إيران.

فتح مسارات جديدة أمام الدبلوماسية القطرية لتعزيز علاقاتها على جميع الأصعدة مع عُمان، وهو ما جرى بحثه خلال اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء القطري وزير الداخلية خالد بن عبد العزيز آل ثاني، مع وزير الداخلية العُماني حمود بن فيصل البوسعيدي في الدوحة مطلع عام 2021.

المسارات المتوقعة

ستخضع ترتيبات تطور العلاقات بين الدولتين إلى عدة مسارات محتملة أبرزها:

الأول: علاقات فاترة تغلب عليها سمة الحذر في تطويرها

أن تبقى الزيارة ضمن أطر المخرجات التي تم التوصل إليها، أي أن يتم افتتاح الطريق الجديد الرابط بين الدولتين، وأن تحدث اجتماعات على مستوى المسؤولين بين البلدين في مختلف المجالات للمناقشة والبحث فقط دون توقيع اتفاقيات. ما يعني أن كلا البلدين أو أحدهما سيتبع مسارات حذرة في تطوير العلاقات ضمن مرحلة اختبار النوايا في الفترة المقبلة على الأقل.

الثاني: تنشيط العلاقات بشكل فعال على جميع الأصعدة

وفق هذا المسار سيسعى البلدان ولا سيما السعودية إلى توجيه أجهزة الدولة بما فيها شركات الاستثمار العامة والخاصة إلى تطوير العلاقات مع نظيراتها العُمانية على كافة المستويات، وسيكون ذلك مدفوعاً برغبة الجانبين إلى الانتهاء سريعاً من مرحلة التجاذب في المواقف بينها والدخول في سياق مرحلة جديدة لتعزيز شبكات مصالحهما وفق هذا السياق الجديد الذي سيترك آثاراً متعددة على المنطقة.

الثالث: اتباع مبدأ خطوة بخطوة 

بناء على هذا المسار قد يعسى الجانبان إلى تطوير العلاقات شيئاً فشيئاً أي ليس ضمن مسارات متوازية على سبيل المثال أن تعمل السعودية على تطوير العلاقات الاقتصادية مع عُمان دون تحقيق تقارب في المواقف السياسية.

الخلاصة

بالرغم من توجه الرياض إلى تعزيز العلاقات مع عُمان، إلا أن هناك مخاوف وحذر من رفع مستوى هذه العلاقات إلى شراكة استراتيجية على المدى المنظور، وعليه من فإن العلاقات من المحتمل أن تتطور بشكل تدريجي لا سيما وأن الترتيبات لتطوريها لا زالت ضمن الأطر العريضة والتي ستنظر في تفصيلاتها اللجان المشتركة التي تم الاتفاق على إنشائها في الزيارة لتطوير العلاقات عملياً.

وبناء على ذلك، فإن السيناريو المرجّح هو السيناريو الأول، المستند إلى مخرجات الزيارة الرسمية، ولكن التطبيق غالباً سيأخذ شكل السيناريو الثالث “خطوة-خطوة”، إذ أن الخلافات التاريخية بين البلدين تمنع الانتقال السريع إلى حالة التطبيع الكامل، حتى في حالة وجود إرادة لدى القيادة السياسية للبلدين.

الملخص التنفيذي

  • حملت زيارة السلطان هيثم إلى السعودية في يوليو 2021 أهمية خاصة من عدّة جوانب، فقد كانت أول زيارة يقوم بها سلطان عُماني إلى السعودية منذ 11 عاماً، وأول زيارة خارجية على الإطلاق للسلطان هيثم منذ توليه لمهام منصبه، كما كانت النشاط الأول الذي يُشارك فيه الملك سلمان مع شخص خارجي منذ بدء أزمة كورونا.
  • جاءت الزيارة في ظل العديد من المعطيات المؤثرة على السعودية والمنطقة، أبرزها المساعي الأمريكية للتوصل إلى اتفاق جديد مع إيران، والمساعي السعودية للتوصل إلى تسوية للحرب في اليمن، والمساعي السعودية لترطيب العلاقات مع إيران، في مباحثات تتم بوساطة عراقية، والتوترات العُمانية-السعودية على خلفية الوضع في محافظة المهرة اليمنية، والظروف الاقتصادية الصعبة في عُمان. بالإضافة إلى أن الزيارة جاءت بُعيد تصاعد الخلافات السعودية-الإماراتية بشكل علني.
  • تملك عُمان عدداً من الدوافع لتحسين علاقتها بالسعودية في الوقت الراهن، أبرزها الأزمة الاقتصادية التي تواجهها، والاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة هناك، والتي يبدو أن هناك أيادٍ سعودية خلفها، ورغبة السلطان في موازنة العلاقة مع الإمارات، والتي تتبنى سياسة عدائية تجاه السلطنة.
  • بالمقابل، تملك السعودية عدداً من الدوافع لتحسين العلاقات مع عُمان، أبرزها الرغبة في الاستفادة من الدور في اليمن، ورغبتها في فتح قنوات خلفية مع إيران، وزيادة الضغط على الإمارات سياسياً واقتصادياً.
  • من المرجح أن يؤدي تطور العلاقات بين البلدين وإحداث ما يشبه تنسيق وموائمة بين أهداف خطة 2040 العُمانية وخطة 2030 السعودية إلى تحسن طفيف على المدى المنظور في الاقتصاد العُماني.
  • من المحتمل أن تسعى عُمان إلى تكثيف نشاطها الدبلوماسي وتفعيل جهود الوساطة بشكل أكبر من أجل إخراج السعودية من مأزقها في اليمن.
  • ستبقى قضية محافظة المهرة الحدودية مع عُمان على الأرجح قضية عالقة بين البلدين على المدى المنظور.
  • من المستبعد أن تتراجع العلاقات العُمانية-الإيرانية على خلفية التقارب مع السعودية، بل على العكس، فإنّ من مصلحة السعودية في الوقت الراهن أن تبقى العلاقات العُمانية-الإيرانية في حالة إيجابية.
  • يُساعد تحسّن العلاقات العُمانية السعودية في تأمين قناة اتصال بين طهران والرياض، وهو ما يصب في صالح الوصول إلى نقطة التوازن التي تبحث عنها الإدارة الأمريكية، والمتمثلة في التوصل إلى اتفاق نووي مع طهران، دون إغضاب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
  • بالرغم من توجه الرياض إلى تعزيز العلاقات مع عُمان، إلا أن هناك مخاوف وحذر من رفع مستوى هذه العلاقات إلى شراكة استراتيجية على المدى المنظور، وعليه من فإن العلاقات من المحتمل أن تتطور بشكل تدريجي.
  • من غير المرجح أن يؤدي تنامي العلاقات السعودية-العُمانية إلى تغيير في سياسات عُمان الخارجية والقائمة على مبدأ النأي بالنفس والفاعلية المنخفضة في القضايا الإقليمية والدولية.
  • في حال أثمرت مخرجات الزيارة إلى تحسين الوضع المعيشي بشكل عاجل في عُمان، من المتوقع أن تنخفض فاعلية الحركة الاحتجاجية في البلاد خصوصاً بين صفوف الشباب.
  • ستبقى القضية اليمنية في الغالب مسألة خلافية غير معلنة بين البلدين، فمن غير المتوقع أن تُغير عُمان من طبيعة مواقفها من المسألة اليمنية.