الكونفيدرالية في الخليج: المقومات والمكاسب والعوائق

الكونفيدرالية في الخليج: المقومات والمكاسب والعوائق

مقدمة

عبدالرحمن الزهراني 

تواجه دول الخليج العديد من التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وهي تحديات بدأت بالظهور تقريبا منذ نيل هذه الدول استقلالها خلال القرن العشرين. تأخذ هذه التحديات الطابع المشترك لدول الخليج بسبب التشابه الكبير بين سكان هذه الدول من نواح كثيرة: 

  • اجتماعية: يمثل الطابع القبلي المحافظ، السمة الأبرز للتجمعات السكانية في دول الخليج جميعا، وهو ما انعكس سياسيا على طريقة الحكم “العائلية الملكية” في تلك البلدان. 
  • اقتصاديا: تملك دول الخليج نمطا معيشيا متقاربا نسبيا، نتيجة اعتمادها على على الموارد الطبيعية: “النفط، الغاز والموارد الأخرى”. 
  • أمنيا: بسبب قرب الموقع الجغرافي وطبيعة الاحداث في الشرق الأوسط، واجهت دول الخليج تقريبا نفس المخاطر التي تتعرض لها  أي دولة منها. 
  • سياسيا: يمثل حكم العائلة، النموذج الأبرز لدول الخليج، وتملك بعض هذه العائلات الحاكمة علاقات قرابة تمتد بينها كما هو الحال بالطبع بالنسبة لقبائل الخليج. 

بالرغم من المشتركات والتحديات، لا تشهد تلك الدول التنسيق الكافي لهذه التحديات، أو إنها على أقل تقدير لا تستغل الإمكانات المتاحة أمامها لصناعة كتلة سياسية واقتصادية يمكن أن يكون لها ثقلها على مستوى العالم. 

ليس بالضرورة أن تكون تكل الدول مطالبة بالوحدة، لاعتبارات كثيرة قد لا يكون هذا لبحث موضوعها، لكن هناك صيغ أخرى للوحدة، تسمح لتلك الاحتفاظ باستقلاليتها، مع الوصول لدرجة عالية من التنسيق المشترك عبر “الكونفدرالية”.  

المحتوى

ما هي الكونفيدرالية؟ 

الاتحاد الكونفدرالي ( المعروف أيضًا باسم الكونفدرالية أو العصبة ) هو اتحاد مجموعات ذات سيادة أو دول متحدة لأغراض العمل المشترك. عادة ما يتم إنشاء اتحادات الدول بموجب معاهدة ، وتميل إلى أن تنشأ للتعامل مع القضايا الحاسمة ، مثل الدفاع والعلاقات الخارجية والتجارة الداخلية أو العملة ، مع مطالبة الحكومة المركزية بتقديم الدعم لجميع أعضائها. تمثل الكونفدرالية شكلاً رئيسيًا من أشكال الحكم الدولي ، والذي يتم تعريفه على أنه أي شكل من أشكال التفاعل حول الدول والذي يحدث على أساس الاستقلال السيادي أو الحكومة.

تختلف طبيعة العلاقة بين الدول الأعضاء في كونفدرالية بشكل كبير. وبالمثل ، تختلف العلاقة بين الدول الأعضاء والحكومة العامة وتوزيع السلطات فيما بينها. بعض الاتحادات الخاسرة تشبه المنظمات الدولية . قد تشبه الاتحادات القارية الأخرى ذات القواعد الأكثر صرامة الأنظمة الفيدرالية .

بما أن الدول الأعضاء في الكونفدرالية تحتفظ بسيادتها ، فإن لها حقًا ضمنيًا في الانفصال . قال الفيلسوف السياسي إميريش دي فاتيل : “يمكن للعديد من الدول المستقلة وذات السيادة أن توحد نفسها معًا من خلال كونفدرالية دائمة دون أن تتوقف كل منها على وجه الخصوص عن كونها دولة مثالية … ولن تؤدي المداولات المشتركة إلى أي عنف على سيادة كل عضو. “.

في ظل كونفدرالية ، على عكس الدولة الفيدرالية ، تكون السلطة المركزية ضعيفة نسبيًا.القرارات التي تتخذها الحكومة العامة في هيئة تشريعية ذات مجلس واحد ، أي مجلس للدول الأعضاء ، تتطلب التنفيذ اللاحق من قبل الدول الأعضاء لتصبح سارية المفعول ؛ إنها ليست قوانين تعمل بشكل مباشر على الفرد ولكن لها طابع الاتفاقات بين الدول.أيضًا ، عادةً ما يتم اتخاذ القرار في الحكومة العامة بالإجماع (بالإجماع) ، وليس بالأغلبية. تاريخيًا ، تحد هذه السمات من فاعلية الاتحاد ، وبالتالي فإن الضغط السياسي يميل إلى التزايد بمرور الوقت للانتقال إلى نظام حكم فيدرالي ، كما حدث في حالات التكامل الإقليمي في أمريكا وسويسرا وألمانيا .

بالنسبة لدول الخليج، يمكن اعتبار النظام الكونفيدرالي هو الأقرب للتحقيق في ظل التقارب الكبير في النواحي المختلفة. قبل أكثر من أربعة عقود شهدت المنطقة ولادة مجلس التعاون الخليجي، حيث أعلن تأسيسه في 25 مايو 1981، وذلك من العاصمة السعودية الرياض، التي تستضيف المقر الرسمي للمجلس، ويضم ست دول عربية هي السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان.

ويؤكد النظام الأساسي للمجلس العمل من أجل “تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين، وصولاً إلى وحدتها”، لكن ورغم نجاح دول مجلس التعاون في تعزيز العلاقات الاقتصادية فيما بينها، فإن طموحات الوحدة الشاملة لم تتحقق بعد، رغم أن منظومة مجلس التعاون الخليجي قريبة جداً من نظام الكونفدرالية، حيث احتفظت كل دولة بنظامها السياسي وسيادتها الوطنية، لكن هناك تنسيقاً وتعاوناً بينها حول العديد من القضايا. ورغم أن دول المجلس حققت إنجازات عدة في المجال الاقتصادي، لكن التنسيق الأكبر بينها إنما تركز على القضايا الأمنية، حيث كانت الدول الأعضاء تحرص على التنسيق الأمني في محاربة كل ما يهدد دول المجلس أمنياً. وقد جرت محاولات عديدة لتشكيل جيش خليجي مشترك، لكن الفكرة تم طيها بسبب الخلافات حول من يقود، ومن يمول، ومن أي بلد تكون أغلبية الجيش. ومضى أكثر من أربعين عاماً على تأسيس مجلس التعاون، دون أن يستطيع تحقيق واحد من الطموحات المهمة لشعوبه، وهو التنقل بحرية من بلد خليجي إلى آخر باستخدام البطاقة الشخصية. وقد تحقق هذا الهدف أخيراً بعد موافقة جميع الدول الأعضاء على البطاقة الجديدة عام 2011. لكن الخليج كمنظومة لم يستطع توحيد العملة الخليجية رغم الاقتصادات المتقاربة بين دوله، في حين أن الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة استطاع أن يحقق كل ذلك، وهو الذي تنتمي دوله إلى عدة قوميات وأعراق ولغات ومذاهب، وتاريخها مليء بالحروب والصراعات فيما بينها.. لكن مصالحها ومصالح شعوبها جعلتها تذلل كل العقبات. 

أولا: المقومات 

تملك دول مجلس التعاون الخليجي مقومات اقتصادية وإمكانيات كبيرة تؤهلها للعب دور كبير كوحدة واحدة. فبحسب آخر الإحصائيات الرسمية التي نشرها مجلس التعاون الخليجي عام 2020، يصل مجموع السكان الخليجيين إلى 55.5 مليون نسمة، وتبلغ واردات تلك الدول 412 مليار دولار سنويا، بإكمالي إنفاق حكومي سنوي يبلغ 520 مليار دولار، وتنتج يوميا ما معدله 17.3 مليون برميل من النفط، و415 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، ويبلغ حجم التبادل التجاري 814 مليار دولار سنويا. 

أما القدرات العسكرية، فرغم أن دول الخليج لا تملك جيوشا كبيرة مقارنة بباقي دول المنطقة، إلا أنها تملك إمكانات عسكرية جيدة يمكنها فعل الكثير لو عملت ككتلة واحدة. وفيما يلي أبرز قدرات دول الخليج العسكرية بحسب آخر الإحصاءات لعام 2022: 

  1. يبلغ عدد سكان المملكة حوالي 34 مليون نسمة، في حين يضم جيشها قرابة 500 ألف جندي، كما تمتلك الرياض قوة جوية ضاربة تضم 889 طائرة عسكرية متنوعة، ولدى جيشها 1062 دبابة وأكثر من 12500 عربة عسكرية مدرعة.
  2. الإمارات العربية المتحدة: يبلغ عدد سكان الدولة الخليجية قرابة 10 ملايين نسمة، في حين يتألف جيشها من 65 ألف جندي، كما تمتلك أبوظبي أكثر من 552 طائرة عسكرية متنوعة، ولدى جيشها 434 دبابة و8750 عربة عسكرية مدرعة.
  3. الكويت: يبلغ عدد سكانها حوالي 3 ملايين نسمة، ويضم جيشها 46.500 جندي، كما تمتلك الكويت 87 طائرة عسكرية متنوعة، و367 دبابة و800 عربة عسكرية مدرعة.
  4. عٌمان: يبلغ عدد سكان السلطنة حوالي 4.6 مليون نسمة، في حين يضم جيشها قرابة 47 ألف جندي، كما تمتلك مسقط 128 طائرة عسكرية متنوعة، ولدى جيشها 117 دبابة وأكثر من 700 عربة عسكرية مدرعة.
  5. البحرين: يبلغ عدد سكانها 1.5 مليون نسمة، في حين يضم جيشها 19.450 جندي، كما تمتلك المنامة 110 طائرات عسكرية متنوعة، و180 دبابة و850 عربة عسكرية مدرعة.
  6. دولة قطر، يبلغ عدد سكانها 2.44 مليون نسمة، ولدى جيشها 17 ألف جندي، كما يبلغ مجمل عدد الطائرات التي يمتلكها سلاح الجو القطري 148 طائرة عسكرية متنوعة، ويضم جيشها نحو 86 دبابة و750 عربة عسكرية مدرعة.

لاتكمن قوة الخليج في إمكاناته العسكرية، وإنما بموقعه وتأثيراته على كل الوضع العالمي كونه المنبع الأهم للطاقة في العالم. ليس المطلوب بالطبع من الدول الخليجية أن تدخل حربا مع أحد، وإنما المطلوب منها أن تكوّن حلفا واحدا حقيقيا، فبسبب العولمة، أصبح الملفات كلها الآن ملفا واحدا، الحرب في المنطقة تعني امتداد أثرها على الطاقة والاقتصاد والتجارة والسياسة والتحالفات أيضا، ما يعني أن ظهور الخليج ككتلة واحد سيجعل منه رقما صعبا بغض النظر عن إمكانياته العسكرية أو اعتماده في التكنولوجيا العسكرية على الحلفاء الإقليميين والدوليين. 

يملك الخليج أيضا مجتمعا واحدا متقاربا بشكل كبير، قد لا يكون من المبالغة القول أن مجتمع الخليجي هو الأكثر تماسكا وتقاربا بعد المجتمع اللاتيني في أمريكا اللاتينية من حيث وحدة اللغة والثقافة والتقاليد وحتى القرابة العائلية. 

أما الملفات الاقتصادية، فدول الخليج تشهد تكاملا كبيرا في اقتصادها لو تم احتسابها كوحدة واحدة على غرار الاتحاد الأوروبي، تكاد عملاتها أن تكون يقيمة واحدة أو متقاربة أمام الدولار، والمستوى المعيشي بشكل عام يتقارب بنسب معقولة ولا يعاني من الفروقات الكبيرة التي تشهدها باقي الدول العربية -كحالة العراق ودول بلاد الشام مثلا-. 

كل هذه المقومات، تجعل من الكونفيدرالية أمرا ممكنا. فما الخطوة الاولى في طريق هذه الوحدة؟ 

عملة موحدة.. سوق واحدة  

يعتبر الوصول لعملة موحدة وسوق مشتركة، الخطوة قبل الأخيرة لتحقيق اتحاد خليجي على مستوى الاتحاد الأوربي، ففكرة الاتحاد الأوروبي نفسها كانت قائما على ربط اقتصادات الدول ببعضها تحقيقا لوحدة، وإنهاءا لحالة الحرب الدائمة بين فرنسا وألمانيا، لكن ما الذي يعيق صدور عملة خليجية واحدة؟ 

خال الـ40 عاما الماضية، حققت دول مجلس التعاون الخليجي تقدماً مهماً في العديد من ملفات التعاون الاقتصادي، كإلغاء الرسوم على المنتجات الوطنية وتوحيد التعرفة الجمركية وحرية الأعمال للمواطنين والربط الكهربائي وشبكة السكك الحديدية.. إلا أن ما تحقق حول توحيد إصدار عملة خليجية موحدة ظل متواضعاً واقتصر على الاتفاق على حركة الهامش لأسعار صرف العملات الخليجية فيما بينها وتأسيس مقر للبنك المركزي الخليجي.

فمن حيث أسعار الصرف تلتزم جميع دول المجلس بأحكام المادة الثامنة من اتفاقية صندوق النقد الدولي المتعلقة بتحرير العملة. كما تتبنى العملات الخليجية الحالية نظام التثبيت مقابل الدولار الذي سيسهل تحديد قيمة العملة الموحدة. لاشك أن الكويت خرجت عن هذه القاعدة باعتمادها على سلة عملات بدلا من الدولار. ولكن من الناحية العملية تستحوذ العملة الأميركية على حصة الأسد في مكونات هذه السلة.

وعلى الصعيد القانوني شرعت دول المجلس أنظمة مشتركة تتعلق بالمياه والزراعة والصناعة والسياحة وبراءات الاختراع والعلامات التجارية والإغراق.

ومن الزاوية التجارية تم إنشاء منطقة التجارة الحرة التي أفضت في عام 2003 إلى اتحاد جمركي خليجي. أصبحت المبادلات البينية معفية من الرسوم الجمركية والمبادلات الخارجية خاضعة لسعر موحد قدره 5%. كما قررت دول المجلس إنشاء السوق الخليجية المشتركة.

ومن حيث المؤسسات استحدثت لجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية عام 1983 لتنسيق السياسات النقدية. كما أسست اللجنة الفنية للاتحاد النقدي والاقتصادي في عام 2002 والتي تهتم بقضايا هذا الاتحاد بما فيها معايير التقارب.

وفي عام 2008 صادقت دول خليجية على اتفاقية الاتحاد النقدي التي تتضمن عدة أحكام أهمها استحداث المجلس النقدي الذي سيتحول إلى بنك مركزي خليجي وسيشرف على العملة الموحدة. ويتكون المجلس النقدي من البنوك المركزية للدول الأعضاء في الاتحاد النقدي ويتمتع بالاستقلال عن وزارات الدول الأعضاء. ويجتمع على الأقل ست مرات في السنة ويتخذ قراراته بالإجماع.

كما حقق الخليجيون خطوة على درجة كبيرة جدا من الأهمية وهي الموافقة على خمسة معايير للتقارب الاقتصادي.

معايير التقارب: التقارب هو تقليص التباين الاقتصادي بين الدول وفق مؤشرات محددة تحديداً دقيقاً. فكلما ازداد التقارب تحسنت الأسس التي يقوم عليها الاتحاد النقدي.

سعر الفائدة: يجب أن لا يزيد على معدل أدنى ثلاثة أسعار في دول المجلس مع إضافة نقطتين مئويتين. وهذا المعيار متحقق حالياً في جميع هذه الدول لأن أسعار الفائدة قصيرة الأجل لا تتجاوز 1% أي أقل من النقطتين المضافتين.

التضخم: يتعين أن لا يزيد على معدل التضخم في دول المجلس مع إضافة نقطتين مئويتين. ومعدلات التضخم في هذه الدول متقاربة وتقل عن 4%.

الديون العامة: ينبغي أن لا تزيد على 60% من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى الصعيد العملي لا تعاني دول المجلس من الديون بل أنها بالدرجة الأولى دائنة.

الاحتياطي الرسمي: لابد من أن يغطي مبلغ السلع المستوردة لمدة لا تقل عن أربعة اشهر. وهذا المعيار متحقق في الدول الموقعة على اتفاقية الاتحاد النقدي الخليجي.

الميزانية العامة: يجب أن لا يزيد العجز المالي عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا هو المعيار الأهم لكنه غير متحقق في عام 2015.

 هنالك عقبتين أساسيتين أمام العملة الخليجية الموحدة. الأولى عدم تفعيل السوق المشتركة والثانية خروج الإمارات وعمان من الاتحاد النقدي الخليجي. الاتحاد النقدي مرحلة متقدمة جداً من مراحل التكامل الاقتصادي ويتطلب سوقاً مشتركة بين أعضائه.

رغم إنشاء السوق الخليجية المشتركة عام 2008، إلا أن القوانين والانظمة اللازمة لإنجاح هذه السوق المشتركة لم تر النور، لأن هذه القوانين، هي التي تنقل الاتفاقيات المكتوبة إلى تطبيقات على أرض الواقع تساهم في التحرير الكامل لرؤوس الأموال والتنسيق الضريبي.

أما العقبة الثانية فهي عدم وجود إجماع خليجي حول العملة الموحدة. يستحسن إذاً إيجاد الصيغة الملائمة للجميع كأن تقوم البلدان الموقعة على اتفاقية الاتحاد النقدي (السعودية وقطر والبحرين والكويت) بإصدار العملة الموحدة فتصبح بعد المرور بمرحلة انتقالية العملة الرسمية الوحيدة القابلة للتداول.

أما الإمارات وعمان فتستمر كل منهما بالتعامل بالعملة المحلية لكنهما تمنحان موافقتهما لتداول العملة الموحدة في أسواقهما.

إن هذا المقترح يحقق رغبة المجموعة الأولى في إصدار العملة الموحدة. أما المجموعة الثانية فتبقى متمسكة بعملتها المحلية وسياستها النقدية الحالية وربما تغير موقفها في المستقبل لتنضم إلى الاتحاد النقدي إن وجدت مكاسب اقتصادية مجدية لها. ولن يسبب استخدام عملتين في الإمارات وعمان أي ارتباك أو تعقيد في المعاملات اليومية لأن جميع عملات الخليج المحلية والموحدة ستكون مرتبطة بأسعار صرف ثابتة مقابل الدولار وبالتالي بأسعار ثابتة بينها.

بالإضافة لذلك، هناك عقبات فنية وإدارية تتعلق بإضفاء الطابع الرسمي عليها مع ضعف الجوانب المهنية، فبنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي يتمتع باستقلالية كاملة عن الحكومة ولا يحق حتى للرئيس التدخل في قراراته، وكذلك الأمر بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، فعلى الرغم من وجود مقره في فرانكفورت فإنه لم يترأسه ألماني، كما لا يحق لألمانيا، كأكبر اقتصاد في الاتحاد، التدخل في قراراته المهنية التي تناسب أوضاع اقتصاد الاتحاد ككل، كما أن رئيسه ينتخب بعد تفاهمات بين الدول الأعضاء. وبهذا التوجه المهني فقط وبالعمل ضمن هذه المفاهيم يمكن للعملة الخليجية الموحدة أن ترى النورَ في السنوات القادمة، وذلك بالتدرج، بحيث تقنن في البداية الاستقلالية التامة للبنك المركزي الخليجي بعيداً عن أي تدخلات وأن يتم انتخاب رئيسه ومجلس إدارته بصورة مهنية أيضاً، وأن يُمنح الصلاحيات الكاملة لرسم السياسات النقدية التي تتلاءم والاقتصاد الخليجي. وبما أنه لا توجد سياسات نقدية بدول المجلس في الوقت الحاضر، وإنما تتبع جميعها السياسات النقدية للدولار بحكم ارتباطها به، فإن العملة الموحدة في حالة الاتفاق عليها لا بد من ربطها في البداية بالدولار أيضاً، لاسيما وأن دول المجلس تحتاج إلى مزيد من الكفاءات والخبرات الخاصة بالسياسات النقدية والتي يجب التعامل معها بحذر شديد، علماً بأن الارتباط بالدولار خلال أربعين عاماً الماضية ساهم في استقرار الأوضاع النقدية لدول المجلس بتأثيرات إيجابية كبيرة، وذلك على الرغم من أنه في بعض الحالات كانت سياسة البنك الاحتياطي الفيدرالي غير مناسبة أبداً للأوضاع الاقتصادية في دول المجلس، بل جاءت على العكس وأضرت بها، على اعتبار أنها سُنّت لتناسب أوضاع الاقتصاد الأميركي، كسياسات أسعار الفائدة على سبيل المثال.

يكمن الحل الأنجع لكل هذه العقبات، في تحقيق الإرادة السياسية لتحقيق هذا الهدف.  إن الإرادة السياسية الأوروبية هي التي ذللت العقبات الكبيرة أمام الوصول لهذه الحالة الحالية من الوحدة وهي إرادة غير متوفرة للأسف في منطقة الخليج، رغم أن الاتحاد الأوروبي قام أساسا بغرض تحقيق المصلحة، بينما تحتاجه الدول الخليجية لدفع خطر وجودي!

الخلاصة

يحتاج الخليج أكثر من أي وقت مضى إلى شكل حقيقي من أشكال الوحدة بين أعضاءه، نتيجة المخاطر الوجودية التي تحدق حول منطقة الخليج. رغم ذلك، لا يبدو أن القائمين على الدول الخليجية يتصرفون على مستوى هذه الأخطار التي تندرج معظمها على مستوى الأمن القومي ووجود هذه الدول بأكمله !

وبدلا من استغلال هذه الإمكانيات الكبيرة والعناصر المشتركة المتاحة بشكل كبير في منطقة الخليج، ينشغل أغلب حكام تلك الدول بمواجهات غريبة مع بعضها، دون وجود سبب منطقي أو تهديد حقيقي لتلك الدول من بعضها، في حين أنها أحوج ما تكون إليه إلى تكتل يضعها في ميدان التأثير العالمي كما هو الحال مع الاتحاد الأوروبي. 

إن مشكلة دول الخليج العربي الرئيسي، تتخلص في وجود الحاكم المنفرد بالسلطة، الذي يحدد بنفسه أولويات الدول ومخاطر أمنها القومي. وكلها سياسات ترتبط برؤية شخصية تدخل فيها اعتبارات إنسانية تربط مصائر الشعوب والإقليم نفسه بفورة غضب أو غيرة شخصية من رئيس.  إن أغلب قرارات الدول الخليجية نابعة من رأي الملوك وحدهم دون أن يكون هناك دور لهيئات تشريعية أو خبراء مختصين أو مستشارين على مستوى الحدث. ولعل هذا ما يلخص ربما رغبة بعض الحكام في عدم المضي بهذا المشروع، لأن التحول نحو الوحدة يستلزم إطارات تشريعية وتنفيذية تقتضي بحكم واقع الأمور، أن تكون الأمور خارجة عن نطاق الملك أو ولي عهده، وهو خط أحمر لا ينال الحكم في الخليج جهدا على عدم تجاوزه، ووأد أي فكرة قد تفضي إلى تجاوزه، حتى لو كان ذلك يصب في مصلحة الدولة نفسها.