فيلم Munich

فيلم Munich

لعبت السينما دورا كبيرًا على مدار القرن الماضي والحالي في تسليط الضوء على قضايا سياسية شائكة، بالإضافة إلى كونها صوتًا معبرًا عن حقوق الشعوب وانتقاد الأنظمة الدكتاتورية والسعي إلى فرض الديموقراطية وتمهيدها لتكون السياسة العالمية القادمة، كل ما تطبقه السينما وتعرضه من ملفات بطابع درامي وليس وثائقي قد يحمل جانبًا من الصحة وقد يحمل جانبًا من التضليل، قد تشعر بأنه ينصر قضية ما ويصور الحقيقة بطريقة منصفة وعادلة، وفي الوقت نفسه قد يكون هذا الفيلم يحمل في طياته وبين ثناياه رسائل سياسية وتضليل للحقائق ومحاولة توجيه للنشء الجديد بطريقة ومتعمدة، وهنا تنطبق هذه النظرية على فيلم ميونخ الذي تشعر لوهلة أنه ينصر القضية الفلسطينية ولكنه في الواقع فيلم مليء بالشبهات والرسائل الموجهة.

قصة الفلم

هو فيلم أمريكي للمخرج ستيفن سبيلبرغ، أنتج عام 2005، تجري أحداثه حول مطاردة الموساد لأعضاء منظمة أيلول الأسود وهم أحد عشر فردًا من العقول المدبرة وراء عملية ميونخ الفلسطينية عام 1972 والتي نُفذت في مدينة ميونخ الألمانية والتي استهدفت رياضيين إسرائيليين حيث تمّ تنفيذ العملية قبل ستة أيام من نهاية الألعاب الأولمبية حيث قامت منظمة فلسطينية اسمها “أيلول الأسود” بمهاجمة القرية الأولمبية واحتجاز رهائن إسرائيليين مقابل إطلاق سراح أسرى في السجون الإسرائيلية.

رسائل سياسية

خلاصة ما حدث فعلا هو أنه أثناء انتقال عناصر منظمة “أيلول الأسود” مع رهائنهم إلى مطار فورستفيلدبروك العسكري لاستقلال طائرة إلى القاهرة بعد المفاوضات التي أجرتها معهم الحكومة الألمانية ووسطاء، تدخلت الشرطة وتعرض عناصر المنظمة والرهائن لنيران القناصة، ووقع تبادل لإطلاق النار أسفر عن مقتل 18 شخصا هم تسعة إسرائيليين وخمسة فلسطينيين وشرطي وقائد طائرة مروحية واثنثن من الألمان.

  • الفيلم مليء بالترهات والخدع ولا تخفى فيه وحشية الاحتلال ونهج إسرائيل مهما تمت محاولة أنسنتهم وإظهارهم كخصم مساوي للفلسطينيين
  • يظهر في تبادل النار الذي حدث في مطار ميونخ الألماني سياسة إسرائيل ممثلة برئيسة الوزراء آنذاك جولدا مائير والتي تتبع سياسات رخيصة من أجل تحقيق أهداف سياسية رخيصة، حيث تفضل أن يُقتل الجميع وألا يسجل الفلسطينيون انتصارًا أو أي إنجاز تاريخي يُذكر أمام الإعلام، وهنا تتضح دموية ما تُسمى “إسرائيل” والتي هي فعلا لا تكترث لشعبها ولا لحياة مواطنيها، بل فقط تحرص على ألا ينال الفلسطيني أي تقدم على الصعيد الإعلامي
  • تتوالى أحداث العملية في الفيلم متفرقة بين عواصم كثيرة للتدليل على أخطبوطية العملية، وتشعب مساراتها مما يعطيها بعدا كونيا، بحيث تتضمن اغتيال العديد من الشخصيات الفلسطينية والرموز المهمين في عدة مدن وعواصم أوروبية وعربية، فبين كل عملية وأخرى، غالبا ما يظهر الفيلم القتلة في حالة تردد ويجادلون حول طبيعة مهمتهم، ويظهر التناقض الذي يعتريهم بخصوص قتل المارة الأبرياء عن طريق الخطأ، وهنا نؤكد على سياسة الموالاة والتطهير من الذنوب التي تمارسها السنيما كتبرير للقتلة عن جرائمهم وأنها مجرد ردود فعل على أفعال الفلسطينيين وعملياتهم
  • الفيلم يحاول جاهدًا أن يقدم الروايتين الفلسطينية والإسرائيلية وكأنهما متَساويتين ولكل منهما وجهة النظر التي يجب أن تُحترم، وهذا يتعارض تماما مع القضية الفلسطينية والتي ما هي إلا شعب يحاول استرداد أرضه من المغتصب القاتل الذي سرقها وقتل أهلها وداس على دمائهم وفرض استيطانه عليها بالقتل والتزوير والتضليل، وإنه لظلم كبير أن يتم الحديث عن الاثنين بنفس الطريقة وكأنهما يملكان نفس الأحقية في الأرض
  • في الحوار الذي يعتبر نقطة السيادة في الفيلم والذي دار بين طرفين أحدهما أفنيروهو مبعوث استخباراتي إسرائيلي وعضو من منظمة التحرير الفلسطينية يدعى علي (عمر متولي) عن وطنهم ومن الذي يستحق أن يحكم على الأرض، وينتهي الأمر بأن يطلق كارل النار على علي في وقت لاحق
  • في هذا الحوار يبرر كل طرف وجهة نظره من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويؤكد علي الفلسطيني فيه على أن الجهاد والنضال هو الطريق الأبدي والوحيد لتحرير فلسطين واستردادها من أيدي الغاصب ويرد أفنير بأن هذا مجرد حلم “إن هذا مجرد حلم، لا تستطيع استرجاع بلد لم يكن لك أصلا” وهنا يرصد الفيلم هذه العبارة وكأن لها جانبا من الصحة أو ربما هي الحقيقة الكاملة التي يراد إيصالها للجمهور
  • موت علي يعني موت ذلك “الحلم” الفلسطيني، وتثبيت الرؤية الصهيونية في أن ما يسعى إليه الفلسطيني هو سراب حقيقي ولن ينالوا منه إلا القتلى واللاجئين كما أخبره آفنير في الحوار السابق
  • في نفس مشهد الحوار يرد علي على آفنير قائلًا “إذا قتلنا اليهود قد يرانا العالم متوحشين، لكنه سينتبه حينها إلى قضيتنا”. وكأن هذه سياسة يتبعها المناضل الفلسطيني ليلفت انتباه العالم إلى قضيته، وكأن الإسرائيلي ما هو إلا أداة نستعملها لجذب الانتباه إلى قضية فلسطين العادلة، وفي هذا المشهد محاولة لتضليل الحقيقة وكأن الفلسطينيين في قمة العجز ويتبعون طريقة الغاية تبرر الوسيلة لاسترداد أرضهم مع استبعاد أن هذا الصهيوني هو محتل غاصب
  • هناك محاولة واضحة لخلط الدين بالسياسة، فالفلسطيني ليست لديه أي مشكلة مع اليهودي أو الديانة اليهودية بحد ذاتها، مشكلتهم الوحيدة مع الصهيونية الغاصبة والتي سلبتهم أرضهم وقتلت أهلهم ومازالت تضايقهم وتمارس ضدهم أبشع المجازر يوميًا، وهذا ما حاول الفيلم غض النظر عنه، وينتظر المخرج ستيفن الموالي بشكل علني لإسرائيل أن نشكره على طرح القضية بشكل عادل وحيادي
  • سأل آفنر علي في نفس المشهد: “هل حقًا تفتقد الزيتون الذي زرعه أبيك؟ هل ترغب بكل أمانة في العودة إلى اللاشيء؟ إلى مجموعة الصخور اليابسة وقطعة الأرض الناشفة، هل هذا ما تريده فعلا لمستقبل أبنائك؟” وهنا يرد علي “هذا بالضبط ما أريده، وسننتصر حتى ولو بعد مئات السنين. أنت لا تعرف معنى عدم امتلاكك لوطن، الوطن هو كل شيء” وكأن ما أراد سبيلبيرغ قوله هو أن آفنر يعلم فعلا معنى ألا يكون لك وطنٌ، فيظهر المشهد برمته كمحاولة لقلب الأماكن بين الظالم والمظلوم وإعادة تعريف النضال من أجل الوطن من وجهة نظر صهيونية، نعم نحن نعرف معنى الشتات، ولهذا نفعل ما نفعله، وهي دعوة صريحة لاعتبار الاستعمار الصهيوني حلا للمسألة اليهودية في أوروبا بل وبروباجندا في هذا الصدد خصوصًا بعد ما ذكره عليّ من لوم للأوروبيين الذين يعيشون في أوطانهم ويتحاملون على الفلسطينيين في نضالهم في الوقت ذاته.