Borgen- القلعة

ربما اعتدنا على مشاهدة الدراما السياسية العربية والأمريكية بكثرة منذ أواخر القرن العشرين، وقلما نشاهد مسلسلات أوروبية سياسية، لكن مسلسل  Borgen أصبح استثناءا لهذه القاعدة، وغدا  أحد أهم المسلسلات السياسية التي لاقت نجاحا قويًا والذي يصور الحياة السياسية لدولة الدنمارك في عقد الثمانينات.

قصة المسلسل

تم انتاج المسلسل في عام 2010 وحقق نجاحًا باهرًا لعمقه وكثافته وشموله وتغطيته لحياة روّاد السياسة بحذافيرها.

لنبدأ بكلمة Borgen التي تعني «القلعة» باللغة الدنماركية، ويطلقها عامة الناس عادة على مقر الحكومة الدنماركية حيث يتواجد فيه مكتب رئيس الوزراء والبرلمان بالإضافة إلى المحكمة الدستورية العليا، وتدور أحداث المسلسل عن حياة السياسيين ورؤساء الأحزاب وتغوص أحداثه في ربط حياتهم السياسية مع حياتهم الأسرية والمشاكل التي يواجهونها في حياتهم بعيدًا عن كونهم سياسيين فحسب فهم في النهاية بشر لهم حياتهم الخاصة وعائلاتهم وأصدقائهم.

وهناك نتعرف على بطلة العمل (بريجيت نيبورغ) زعيمة أحد أحزاب الوسط والتي تحظى بشعبية قليلة، بريجيت زوجة جيدة وأم لطفلين وامرأة ذات حنكة سياسية وشخصية مميزة على المستوى السياسي والشخصي.

تبدأ أحداث المسلسل بالانتخابات والتي يصاحبها دائمًا تغييرات كبيرة في الحكومات والمناصب والقرارات والسياسات، يتغير كل شيء مع الخطاب القوي الذي تطلقه بريجيت والذي يغير مسار دولة الدنمارك بأكملها.

رسائل سياسية

صعود وهبوط من القمة إلى القاع:

يصور المسلسل حياة السياسي والتي يمكن أن تتغير كليًا بين الفينة والأخرى، من شخص يحترمه الجميع ويتصدر أوائل الصحف إلى شخص لا قيمة ولا رأي ولا أهمية لوجوده.

يسلط المسلسل الضوء على عناصر العمل الدرامي السياسي: الحكومة والحياة السياسية والعائلة والعلاقات والسلطة الرابعة(الصحافة) ويربط هذه العناصر بطريقة محكمة ومتقنة تجذب المشاهد للعمل وتريه القصة بأبعادها كاملة.

يصور المسلسل التأثير الديالكتيكي (تبادل الحجج والجدال بين طرفين دفاعًا عن وجهة نظر معينة، ويكون ذلك تحت لواء المنطق) للسلطة والنفوذ على الشخص الذي يشغل منصب السياسي.

ظهرت المكيافيلية ( وهي مصطلح يعبر عن مذهبٍ فكري سياسي أو فلسفي يمكن تلخيصه في عبارة ” الغاية تبرر الوسيلة(”  والتي لابد منها في كل عمل سياسي، ولكنها لم تظهر بطريقة متطرفة كمسلسل هاوس أوف كاردز مثلًا، بل ظهرت بطريقة موضوعية كصراع بين المصلحة الشخصية والمبادئ الوطنية ولكن دون التخلي المطلق عن المصلحة الوطنية، وبرزت تحديدًا في شخصية بريجيت بشكل واضح.يصور المسلسل حياة المرأة السياسية العاملة وهنا يكون التركيز على بريجيت كأول امرأة تُعين في منصب رئيسة وزراء البلاد، وصراع المرأة الدائم في الموازنة بين دورها كموظفة وزوجة وأم وصديقة وأخت، ناهيك عن معاناتها كامرأة في التطفل الكبير على حياتها من قبل الصحافة الصفراء وتطفلهم على جسدها ووزنها وحتى الحياة الخاصة لأفراد عائلتها، إنه ليس بالأمر السهل البتة.

 البروباغندا الصلفة:

لا يخلو المسلسل من البروباغندا الصلفة عن  طريق  نشر المعلومات بطريقة موجهة أحادية المنظور وتوجيه مجموعة مركزة من الرسائل بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص، وتبني المثالية المطلقة والتعاطف الكبير مع رجال السياسة في الدولة، وتصدير البروباغندا في السياسات الخارجية للدنمارك كالعلاقة بالمخابرات الأميركية وحكومة الولايات المتحدة، والقوات الدنماركيّة المشاركة في أفغانستان، التوسط بين الأطراف السودانيّة المتنازعة، العلاقة بالاتحاد الأوروبيّ، ورهاب الشيوعيّة وبعبع الاتحاد السوفيتي السابق.

قدم المسلسل السلطة الرابعة (الاعلام) بطريقة مختلفة مبينًا الحجم الكبير الذي يشغله المستشار الإعلامي للحزب والتأثير الكبير له والذي يفوق تأثير صناع القرارات الكبرى، بالإضافة إلى أنه قدم الإعلام الموضوعي الذي يبحث عن السبق الصحفي والنجاح العملي والذي له أجندته ومصادره الخاصة في البحث عن الحقيقة.