Blog

العقوبات الأمريكية وآثار تسليح الدولار في الصراع العالمي

مقدمة

تعتبر العقوبات الأمريكية إحدى أقوى وسائل الضغط التي تمارسها الولايات المتحدة لتحقيق سياستها في العالم. لا نقصد بالعقوبات تلك التي يتم فرضها ضمن إطار الأمم المتحدة كالتي فُرضت على العراق في العام 1990 بقرار مجلس الأمن، إنما تلك التي تتم من خلال قرار أمريكي منفرد يتخذه الرئيس حتى دون الرجوع للكونغرس . منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، استخدمت الولايات المتحدة هذه العقوبات سواءً بالتهديد أو بالفعل في كثير من المناسبات وطال تأثيرها دولا كثيرة بضمنها دول في حلف الناتو وأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فمن أين اكتسبت العقوبات الأمريكية هذه القوة الهائلة، وما أغلب تأثيراتها في الدول المستخدمة ضدها؟ وهل يمكن الإفلات منها أو تقليل أثرها؟

عملة الاقتصاد العالمي

حتى الحرب العالمية الثانية، كان الذهب هو عملة الاقتصاد العالمي، إن قيمة عملة كل دولة تعادل ما تملكه من الذهب، لكن حدث – بعد الحرب العالمية الأولى – أن الولايات المتحدة راكمت كميات ذهبٍ تعادل ثلاثة أرباع المعروض في العالم، وفي الحرب الثانية، عندما بدأت بوادر النصر تلوح للحلفاء بقيادة الولايات المتحدة، بادرت الحكومة الأميركية إلى دعوة 44 دولة للاجتماع في يوليو/تموز 1944 بمدينة بريتون وودز في ولاية نيو هامبشير للاتفاق على نظام نقدي دولي جديد، بغية تأمين الاستقرار والنمو الاقتصادي العالمي، حيث كان من المؤمل أن يوفر النظام الجديد حرية التجارة ويمد الدول الأعضاء بالسيولة الكافية، ويضمن عدم فرض القيود والعوائق في وجه المعاملات الدولية.
وتهدف اتفاقية بريتون وودز (Bretton Woods Agreement Forex Markets) إلى إيجاد نوع من الثبات في السياسات النقدية وأسعار الصرف بين دول العالم عبر وضع البنية التحتية لتنقل رؤوس الأموال بين الدول كأساس لتسهيل التجارة العالمية. وخرجت حينها وبعدها المؤسسات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة والاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة “غات”) لتدعم التوجه العام السياسي والاقتصادي للاتفاقية. وكانت أهداف الاتفاق تتحدد بتشجيع التعاون النقدي الدولي والعمل على تحقيق النمو المتوازن للتجارة الدولية، وتجنب فرض القيود على المدفوعات الخارجية والوصول إلى نظام متعدد الأطراف للمدفوعات الدولية، والتخلص من القيود المفروضة على الصرف والعمل على ثبات أسعاره بين عملات البلدان الأعضاء. ويمكن أن يعد نظام ثبات أسعار صرف العملات حجر الزاوية في مؤتمر بريتون وودز، إذ يقوم هذا النظام النقدي الجديد على أساس “قاعدة الصرف بالدولار الذهبي” وعلى أساس “مقياس التبادل الذهبي”، وبذلك تحول الدولار الأميركي من عملة محلية إلى عملة احتياط دولية.
وبموجب أحكام الاتفاقية يجب على كل دولة عضو فيه أن تحدد قيمة تبادل عملتها الوطنية بالنسبة إلى الذهب أو بدولار الولايات المتحدة على أساس الوزن والعيار النافذين في أول يونيو/حزيران 1944، أي الدولار الواحد يساوي 0.88671 غرام من الذهب الصافي.وقد التزمت الولايات المتحدة أمام المصارف المركزية للدول الأعضاء بتبديل حيازتها من الدولارات الورقية بالذهب وعلى أساس سعر محدد وثابت وهو 35 دولاراً للأونصة، وبذلك تساوى الدولار بالذهب في السيولة والقبول العام به احتياطياً دولياً. ومن أجل تحقيق المرونة سمح الصندوق بتقلبات أسعار صرف عملات البلدان الأعضاء ضمن هامش محدد، وإذا تجاوز سعر صرف عملة ما هذه الحدود فإنه يجب على المصرف المركزي أن يتدخل في السوق بائعاً أو شارياً لعملته الوطنية لإعادة السعر إلى الهامش المسموح به.وأقر الصندوق أيضاً السماح للبلدان الأعضاء بتغيير معادلات قيم عملاتها بنسبة 10٪ حدّاً أقصى من سعر التعادل الأساسي، وإذا ما زاد التغيير المرغوب فيه على هذه النسبة فإنه يلزم أولاً أخذ موافقة الصندوق. النتيجة النهائية إذن: تحول الدولار من عملة محلية صادرة من البنك المركزي لأحد الدول، ليكون عملة عالمية يرتبط بها باقي العملات. وهكذا حين دخل الدولار في عمليات التجارة الدولية، بدأت الحكومات بالاحتفاظ بسندات الدولار في خزائنها، والحكومات تميل غالبا للسندات المدعومة من الحكومة الأمريكية لأنها توفر إمكانية الحفاظ على ربط أسعار الصرف، التأمين ضد تدفقات رأس المال إلى الخارج وتسهيل التجارة الدولية، وكمحصلة لما سبق، يقود استخدام الدولار في التعاملات التجارية، إلى الاحتكاك المباشرمع مؤسسات الاقتصاد الحكومية الأمريكية، وهنا يأتي دور “اوفاك” أو مكتب مراقبة الأصول الأجنبية: “OFAC: Office Of Foreign Assets Control”، مؤسسة أنشأتها وزارة الخزانة الأمريكية عام 1950، بالضبط عقب التدخل الصيني في الحرب الكورية حينما أعلن الرئيس هاري ترومان تجميد كل الأصول الصينية والكورية التي تقع تحت تصرف الولايات المتحدة.
يختص “أوفاك” بمراقبة حركة الأموال والأصول الأجنبية وتداولها من قبل الدول الأخرى، المؤسسة التي تتحكم بمصائر اقتصادات كثير من البلدان مجرد مؤسسة حكومية تأخذ التعليمات من وزير الخزانة الذي ينفذ بدوره قرارات الرئيس. ومع صدور أي قرار بالعقوبات يقوم أوفاك بخطوتين: تجميد أصول تلك الدولة أو الجهة أو الفرد البنكية الموجودة في الولايات المتحدة، وتجميد أصول أي شركة أو جهة تتعامل مع الجهة التي وُضعت في لائحة العقوبات ومنعها من ممارسة أي نشاط في الولايات المتحدة سواءا مع الشركات أو الأفراد. بهذه الطريقة يتم إيقاع أقصى تأثير اقتصادي بعد فقدان من هم في اللائحة إمكانية استخدام أموالهم نفسها –بسبب تجميدها-، يُضاف له حرمان الدولة المعاقَبة من إبرام عقود مع أي طرف خارجي لأنه سيكون معرضا للعقوبات بدوره كما هو حاصل مع إيران، حيث عانت طهران من تجميد أصول تقدر بـ 160 مليار دولار، لم تستطع استردادها إلا بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015 حين رُفعت عنها العقوبات “الأوروبية وعقوبات مجلس الأمن والعقوبات الأمريكية

أبرز الدول المشمولة بالعقوبات

في عام 2019، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -في خطوة أحادية- استئناف العقوبات جزئيا مستثنياً تصدير النفط إلى 8 دول، ثم أُلغي هذا الاستثناء في سبتمبر ذلك العام لتصبح الكيانات والأفراد، بما في ذلك شركات الشحن ومالكي السفن والمدراء والمشغلين وشركات التأمين والمؤسسات المالية والمشاركين في معاملات شراء أو بيع أو نقل أو تسويق النفط أو المنتجات البترولية وحتى أولئك الذين يقدمون خدمات تموين السفن للبواخر التي تنقل البترول أو مشتقاتها من إيران، معرضون لخطر استهدافهم بالعقوبات من الولايات المتحدة، بغض النظر عن موقع أو جنسية من يمارسون هذه الأنشطة، ما انعكس بآثار مدمرة على الاقتصاد الإيراني ظهر بعض منها مباشرة، بينما سيحدث بعضها الآخر على المدى البعيد:

انخفاض معدل النمو الاقتصادي في إيران بعد العقوبات الأمريكية

1. هبوط نسبة النمو الاقتصادي من 12% عام 2016 إلى -6% عام 2019!

2. انهيار الريال الإيراني وفقدان 60% من قيمته في السوق غير الرسمية (وصل إلى 142 ألف ريال للدولار الواحد).

3. إرتفاع نسبة التضخم إلى 40%.

4. ارتفاع سعر المشتقات النفطية داخل إيران إلى 50%.

5. ارتفاع كلفة السكن والخدمات الصحية إلى 20%.

إيران مجرد مثال على العقوبات، هناك عقوبات تطال أفرادا بعينهم، وهناك عقوبات تطال مشاريع بعينها مثل مشروع “نورد ستيم 2” الذي يصل أنابيب الغاز من روسيا إلى ألمانيا بإشراف شركة “Allseas” السويسرية بقيمة 10.5 مليار دولار، أدرجته الولايات المتحدة ضمن العقوبات ما ادى لتوقف المشروع. هناك أيضا عقوبات أخرى تختلف من حيث شدتها وتأثيرها ونوع الجهات المُعاقَبة وسبب دخولها اللائحة. يدخل فيها أفراد ومنظمات ودول تمتد على رقعة جغرافية تشمل العراق، سوريا، لبنان، اليمن، ليبيا، السودان، الصومال البلقان، اوكرانيا، روسيا، بيلاروسيا، زيمبابوي، مالي، بوروندي، فنزويلا، نيكاراغوا والقائمة تمتد لتصل إلى واحد من كل عشر دول في العالم أوما يعادل 2 مليار نسمة وناتج اقتصادي يصل إلى 15 تريليون دولار !!

إيجاد نظام بديل للدولار

بعد فرض العقوبات الأمريكية أحادية الجانب دفعت الخسائر الكبيرة للشركات، الدول الأوروبية المتضررة للبحث عن نظام يتم خلاله استئناف العلاقات التجارية مع إيران بعيدا عن الدولار، لكن الفكرة وُلدت ميتة بعدما رد الأمريكيون بسخرية قائلين أنهم سيضعون النظام نفسه وكل من يتعامل فيه ضمن لائحة “اوفاك” السوداء أيضا!
للمفارقة، عمّق هذا التهديد الأمريكي فكرة ضرورة إيجاد نظام مالي آخر بعيد عن الدولار وبالتالي لا يخضع للسلطة الأمريكية وهناك دول بدأت بالفعل في ذلك، روسيا حولت 101 مليار دولار من احتياطها النقدي إلى اليورو والين الياباني واليوان الصيني، كما ازدادت نسبة التعاملات التجارية بين روسيا والصين بعملاتهم المحلية من 17% عام 2017 إلى 24% عام 2018.
هذه الخطوة ورغم أنها قد لا تعدو سوى تمرد صغير في جزء من العالم، إلا أنها ومع تحركات أخرى تشكل مؤشرا خطيرا. يقول مدير البرنامج الاقتصادي في مركز سياسات الطاقة التابع لجامعة كولومبيا الأمريكية “ريتشارد نيفيو”: “بالرغم من أن الدولار سيبقى مهيمنا بصورة أكيدة خلال الـ5-10 سنوات القادمة، لكن النظام العالمي مقبل على مرحلة لن يكون فيها الدولار الأمريكي هو العنصر الوحيد، وسياسات الحكومة الأمريكية هي ما يسرع وتيرة التحول هذه”.
يؤكد ذلك ما يتداوله خبراء من أن التصرفات الأمريكية –خاصة في ولاية ترامب- تدفع الدول الأوروبية لإيجاد بديل يقلل من حجم النفوذ الأمريكي في السياسة الدولية مستفيدة من اعتماده على عملتها، وهو ما حصل في مؤتمر الدول السبع الكبرى عام 2018 في كندا بعد نشوب خلاف حول عودة روسيا إلى المجموعة، الأمر الذي رفضته الدول الأوروبية، ما دفع ترامب لمغادرة الاجتماع تاركا الاوربيين “معقودي الألسن”، ومصممين على العمل معا لإنهاء هذا التحكم الأمريكي ، أو كما عبر عن ذلك الأمين العام للمفوضية الأوروبية مارتن سليمر: “مغادرة ترامب في مروحيته من الاجتماع، قدحت فكرة إعادة السيادة الأوروبية من جديد، ولم يكن من جواب على تلك المعضلة السياسية سوى تعزيز الدور العالمي لليورو”.
مع ذلك، لا تبدو المهمة سهلة، فرغم التململ الواضح من السياسات الفردية الأمريكية التي تطال حتى حلفاء الناتو، لم تصل الإرادة الدولية بعد لنفس الدرجة التي وصلت إليها عقب الحرب العالمية الثانية حين أصبح الدولار عملة التداول العالمي. الحديث هنا ليس عن الرغبة فقط، إنما عن القدرة على المواجهة أيضا حيث يختلط ما هو سياسي بما هو اقتصادي. فليست كل الدول في العالم تستطيع أو لها نفس المصلحة الأوروبية والروسية في تحدي الهيمنة الأمريكية ناهيك عن وجود كثير من المستفيدين منها أصلا، دون الإشارة لتلك التي تعتمد على المساعدات الأمريكية المباشرة بمختلف بأنواعها –عسكرية، اقتصادية، سياسية، لوجسيتية..الخ-، وهو ما لا يستطيع الأتحاد الأوروبي تأمينه؛ على الأقل مقارنة بالولايات المتحدة. أضف إلى ذلك، وباعتبار أن مكانة العملة الأمريكية تستمد مكانتها في جزء كبير من قوة الولايات المتحدة نفسها، أن الاتحاد الأوروبي ليس قوة سياسية موحدة من الأساس كي تكون بديلا عن الدور الأمريكي. نعم قد يكون الاتحاد الأوروبي موحدا في ضرورة تعزيز مكانة اليورو، لكنه يعاني اختلافا كبيرا في المصالح والمواقف: “البريكست، أزمة اللاجئين، الملف السوري، الملف الليبي” مجرد أمثلة على ذلك.

الخلاصة

رغم صعوبة تغيير النظام المالي الحالي بسيطرة الدولار على 62% من المدخرات فيه مقارنة مع 20% منها باليورو إلا أن تصاعد الخلافات الأوروبية-الأمريكية-الروسية-الصينية بشقيها الاقتصادي والسياسي، قد يحدث ثغرات كبيرة بما يكفي للنفاذ من العقوبات الأمريكية أو ربما تسبب ثورة تعتمد على عملة رقمية تربط بها العملات المحلية كما يقترح محافظ البنك المركزي البريطاني مارك كارني، المحاولات مستمرة لصنع بديل يزيح هذا التحكيم الرهيب بالتجارة الدولية، وحين يحصل ذلك، ستتغير الكثير من المعطيات الجيوسياسية في العالم، تنهي الانفراد الأمريكي القائم على الاقتصاد.

شارك هذا المحتوى