Blog

الهجرة والشعبوية في أوروبا: كيف تغيرت الخارطة الأوروبية بعد الربيع العربي؟

مقدمة

يمثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب ترامب في عام 2016 اختراقا حققته الشعبوية في الغرب. حيث كانت معارضة الهجرة مركزية لكلا الحدثين. ومع ذلك ، فقد كان محوريًا بطرق مختلفة. توضح هذه الورقة هذه الاختلافات والآثار المترتبة على كلا الشعبويين على سياسة الهجرة الليبرالية. مدفوعًا بالعداء للتنقل الحر داخل الاتحاد الأوروبي ، ستكون النتيجة المفارقة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هي سياسة هجرة أقل تمييزًا من ذي قبل ، بمعنى أن المحسوبية للأوروبيين الآخرين مستبعدة الآن. على النقيض من ذلك ، فإن سياسة الهجرة التي انتهجها ترامب كانت تمييزية بشكل علني وواضح. وعلى وجه الخصوص ، فإن حظر المسلمين فيها ينتهك “المعيار المناهض للشعبوية” وبالتالي جوهر سياسة الهجرة الليبرالية.

ما هي الشعبوية؟

بحسب الكاتب كاس مود مؤلف كتاب “مقدمة بسيطة في الشعبوية” هو “تقسيم الشعب إلى قسمين: الطبقة الشعبية النقية والطبقة الفاسدة، ثم تقديم مصلحة الشعب بتدمير الفاسدين”.
ارتبط المصطلح كثيرًا بتيار اليمين في الغرب: دونالد ترامب في أمريكا وبوريس جونسون في بريطانيا وماتيو سالفيني في إيطاليا، فكلهم أيقونات شعبوية، ومع ذلك لا تتقيد الشعبوية باليمين فقط، فالرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز مثلًا كان شعبويًا حد النخاع، يمكن استخدام الإيديولوجيا لمهاجمة الإمبريالية، ضد الإرهاب، ضد الصين أو مؤخرًا: الهجرة وكراهية الأجانب والعنصرية!
بدأ التيار الشعبوي بالتنامي في أوروبا مع موجات الهجرة الكبيرة التي أعقبت الربيع العربي عام 2011، ففي العام 2017 وحده على سبيل المثال دخل الاتحاد الأوروبي 2.4 مليون لاجئ من مناطق مختلفة ووصل تعداد غير الأوروبيين عام 2018 إلى 22.3 مليون من أصل 512.4 مليون مواطن “أي ما نسبته 4.4%” من السكان، تضاف هذه الموجة إلى موجات أخرى كالتي حصلت في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، أو خلال الثمانينيات والتسعينيات من الدول العربية وطبعًا الهجرة المستمرة من إفريقيا.
كيف استفادت الشعبوية من الهجرة؟
من الواضح أنه لا توجد علاقة سببية أحادية بين الهجرة وصعود الشعبوية اليمينية. لا تؤدي زيادة الهجرة تلقائيًا إلى رد فعل شعبوي مناهض للهجرة، لكن الأرجح أن يكون الصعود الأخير للشعبوية اليمينية نتيجة لعملية تشمل ما لا يقل عن خمس مراحل تلعب فيها الهجرة دورًا أساسيًا. يمكن تلخيص هذه المراحل الخمس على النحو التالي:

  1. نقطة البداية هي “الصدمة الخارجية” مثل “أزمة اللاجئين” ، والتي شكلت تحديات سياسية وإدارية كبيرة للحكومات في العديد من البلدان الأوروبية. في واقع الأمر ، لم تكن معظم الدول الأوروبية في عام 2015 “مجهزة” سياسيًا ولا إداريًا للتعامل مع زيادة وصول اللاجئين والمهاجرين.
  2. أثارت الصعوبات في التعامل مع قضية اللاجئين اهتمامًا إعلاميًا واسعًا وأثارت جدالات سياسية ساخنة. على سبيل المثال ، على المرء فقط أن يلقي نظرة على عدد المقالات المتعلقة بالهجرة التي نمت بشكل كبير بعد عام 2015. في ألمانيا ، تم الوصول إلى أكبر عدد من المقالات حول الهجرة بين عامي 2015 و 2016.
  3. زيادة أهمية وسائل الإعلام “تنشط” الشكوك الكامنة تجاه الهجرة في قطاعات من السكان. وهذا يعني أن الهجرة لا تولد بالضرورة مخاوف ومواقف مناهضة للهجرة . بدلاً من ذلك ، من المرجح أن يؤدي إلى تنشيط العناصر الموجودة مسبقًا وتقويتها. يتم تقديم الدليل على ذلك من خلال زيادة بروز الهجرة في البلدان الأوروبية ، بينما ظلت المواقف تجاه الهجرة دون تغيير تقريبًا . بمعنى ملموس ، هذا يعني أن “ أزمة اللاجئين ” لم تجعل السكان الأوروبيين أكثر تشككًا أو معارضين للهجرة (باستثناء دول فيشغراد ، حيث كان الاتجاه من حيث المواقف تجاه الهجرة سلبياً في الغالب. مسبقًا).
  4. وقد انعكس ‘تفعيل’ من المواقف المناهضة للهجرة، جنبا إلى جنب مع استياء واسع النطاق مع إدارة الهجرة في نهاية المطاف في الأصوات للأحزاب اليمينية الشعبوية، التي رسملتها على المخاوف الهجرة في أجزاء من السكان. وبهذا المعنى ، يمكن اعتبار الهجرة شرطًا أساسيًا لتعبئة الدعم الشعبوي اليميني في الاحتجاج ضد “النخبة الحاكمة”.
  5. أخيرًا ، تفتح الشعبوية المناهضة للهجرة الطريق أمام تحول مقيد في سياسات الهجرة ، والذي لا يمكن إرجاعه فقط إلى القرارات التي اتخذتها الحكومات الشعبوية اليمينية. كما اتخذت الحكومات غير الشعبوية (مثل الحكومة الألمانية) موقفًا أكثر تقييدًا بشأن حقوق الهجرة والمهاجرين.

هنا بدأ تيار اليمين ياستخدام الإيديولوجية الشعبوية في معارضة الهجرة، وبسبب التغيير الديموغرافي الذي شهدته الدول الغربية – أو المتوقع حصوله بما هو موجود من أعداد -، ظهر الحديث عن تقسيمات تخص الشعب الأصلي والمهاجرين، وعن تهديدات تواجه الهوية الأوروبية بفعل احتفاظ القادمين – خاصة من العرب والمسلمين – بنفس هويتهم الثقافية وامتلاكهم لكل حقوق المواطنين الأوروبيين بنفس الوقت، أمر يصفه الكاتب كريستوفر كالدويل بأنه “ثورة في أوروبا” يقودها المسلمون.
هكذا، وبحلول العام 2018 أو عام الشعبوية كما يُطلق عليه، وصل المتطرفون إلى سدة الحكم في أغلب الدول الأوروبية:
– في إيطاليا التي تعد من أكبر الدول الأوروبية المستقبلة للاجئين، فاز حزب الرابطة ثم تحالف مع “حركة 5 نجوم” اليمينية (انتزعت وحدها 33% من أصوات الناخبين)، وكلاهما من المعادين للمهاجرين والأجانب، وشكلا حكومة برئاسة ماتيو سالفيني.
– في السويد، فاز حزب ديمقراطيو السويد، الحزب القومي اليميني المعادي للأجانب، بأكثر من 17.6% من أصوات الناخبين في الانتخابات التشريعية، وهو أكبر اختراق لهم في ذلك البلد الذي عرف عنه توجهه نحو يسار الوسط واليسار على مدى عقود طويلة.
– أما في ألمانيا التي سارعت إلى تطبيق سياسة الباب المفتوح للاجئين، فقد حقق اليمين المتطرف المتمثل بحزب البديل اختراقًا كبيرًا بدخوله البرلمان الألماني في تحد واضح لسياسة ميركل المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين، حيث فاز في حوض الرور الصناعي الذي يعتبر تاريخيًا معقل اليسار الاشتراكي.
– في دول أوروبا الشرقية، يتولى الحكم في هنغاريا رئيس الوزراء الشعبوي واليميني المتطرف فيكتور أوربان، وكذا الحال في بولندا التي يقودها الشعبوي ياروسلاف كاتشينسكي، والحال ذاته في سلوفاكيا حيث الشعبوي روبرت فيكو.
– قبل ذلك كله لا يمكن نسيان دونالد ترامب في الولايات المتحدة عام 2016 وبوريس جونسون في بريطانيا عام 2019.

تغيير في عقيدة الأمن القومي الأوروبي

في وقت صعود اليمين المتطرف، وتوجه الأنظار نحو المهاجرين الجدد -والوجود الإسلامي عموما- باعتباره عدو يهدد الهوية والوجود الثقافي بأكمله. كان من الطبيعي أن تتغير تبعا لذلك، الأولويات الأمنية، وبالتالي يحصل إغفال لمجموعة من المخاطر الداخلية، وهو ما ظهر جليا في محاولة انقلابية في ألمانيا خطط لها عسكريون ألمان -متقاعدون وعاملون في الخدمة-.
في تحقيق أجرته شبكة DW الألمانية شمل لقاءات مع مسؤولين ومحققين كبار في وزارة الداخلية، كشفت الشرطة عن منظمة تُعرف باسم “صليب الشمال”. تضم في معظمها جنودًا سابقين وضباطًا حاليين في القوات الخاصة الألمانية. تبين من خلال المحادثات التي أجراها في مجموعات الرسائل المشفرة “تيليغرام” أنهم جميعًا من أصحاب الفكر اليميني. لاحقًا وبعد عامين من التحقيقات وتحديدًا في يونيو 2019، تمكنت الشرطة من العثور على 31 ألف طلقة نارية و200 كيس جثث في 14 موزعة على 14 عقارًا في الولاية، كانت الرصاصات من النوع العسكري الهجومي الخارق للدروع والحواجز، معدة لمهاجمة الحرس الشخصيين.
وكالة المخابرات الداخلية الألمانية قالت إن “صليب الشمال” وضعت قائمة بـ 5000 شخص بينهم الرئيس السابق يواكيم غوك ووزير الخارجي هيكو ماس ونائبة وزير الدفاع “البوندستاغ” كلاوديا روث إضافة لسياسيين يساريين و اشتراكيين ومتعاونين مع اللاجئين بينهم رؤساء منظمات مدنية، وفي حال الوصول لساعة الصفر، سيقوم مجموعة من الضباط باقتياد الأهداف بذريعة حماية أمنها الشخصي، ونقلها في عربات الدولة العسكرية ثم إعدامها في أماكن معينة، بعدها ستقوم المنظمة باستلام زمام المبادرة في البلاد بعد الخلاص من مناوئيها.
لم يكن هذا التفصيل هو الأكثر رعبًا في الخطة، إذ تم اكتشاف تشعب التنظيم من خلال أحد أفراده وهو يورغ أس، ضابط برتبة رقيب أول في الجيش الألماني، وهو مسؤول عن أحد نقاط التجمع التي رتبها أعضاء المنظمة في 9 مدن في ألمانيا، حيث تبين أن من كسبه للتنظيم قائد أحد الأسراب في قاعدة “روستوك لاكه” التي يتمركز فيها طائرات يوروفايتر المقاتلة، نقطة أخرى تعكس مدى تغلغل وجدية المنظمة في القوات المسلحة الألمانية!
ربما يكون الأغرب من هذا التنظيم المتطرف، ردة الفعل الحكومية بالغة التراخي على هذه المعلومات، وعلى ازدياد نفوذ التيار اليميني في القوات الألمانية. حُكم على ماركو جي “زعيم التنظيم” 21 شهرًا ووُجهت الاتهامات لـ3 من أعضاء التنظيم بتهمة حيازة الأسلحة بطريقة قانونية وانتهى الأمر عندك ذلك، وزير الداخلية هورست زيهوفر مثلا اكتفى بالقول في ديسمبر 2019 بأن على ألمانيا بذل المزيد لمحاربة التغلغل اليميني، وأعلن وظائف جديدة لموازنة نسبة المتطرفين مع المعتدلين.
تعطي الحادثة نموذجا بسيطا على كيفية تحويل أولويات أجهزة الأمن وتنفيذ القانون إلى عدو وهمي لا يشكل بالضرورة خطرا على تلك البلدان. حادثة اقتحام الكونغرس مثال آخر. تغفل سلطات إنفاذ القانون الأمريكية وجود عشرات المليشيات المسلحة ذات الفكر اليميني، وتركز جهدها بالمقابل على المهاجرين من البلدان الإسلامية في محاولة لترحيلهم.
في بحث نشره مركز مكافحة الإرهاب والتطرف في هولندا يقول الدكتور آرون كودناني: “لقد نسيت أوروبا في غمرة ما تعتقد أنه مجابهة الإرهاب، خطر اليمين في الداخل، يقوم اليمينيون بأعمال تستهدف البلدان الأكثر انفتاحًا، وهم يفعلون ذلك لتقويض الديمقراطية وفرض تشدد سياسي يرون أنه الأفضل لحماية أوروبا”.

الخلاصة

أدت موجات الهجرة التي أعقبت الربيع العربي إلى تنامي الخطاب المتشدد في أوروبا وأمريكا. خطاب ساعد اليمين المتطرف على الفوز في الانتخابات البرلمانية في أغلب البلدان الأوروبية. الهجرة من الشرق الأوسط وأفريقيا، وإن لم تكن سببا إحاديا لذلك الصعود، لكنها شكلت عاملا محوريا فيه. تبع صعود اليمين الشعبوية تغييرات أمنية في أولويات أجهزة إنفاذ القانون، مغفلة بذلك تهديدات آخرى في الداخل لم تُعط الأهمية الكافية أو على الأقل بنفس الدرجة التي شهدها ما تصف تلك الأجهزة بـ”الإرهاب الإسلامي”.

شارك هذا المحتوى